إلى أين ذهب الإمام المهدي؟
يُقرأ النص بالعربية
اقرأ المقال الأصلي على The Divine Just State
ترجمة عربية أعدّها المساعد الآلي عن النص الإنجليزي الأصلي، ولم يراجعها مترجم بشري. الاقتباسات (الأحاديث، الكتاب المقدس، الكتب، الأقوال) مترجمة عن صيغتها الإنجليزية، وليست نصوصها العربية الأصلية؛ أما ما بين ﴿ ﴾ فهو نص القرآن الكريم.
استكشاف للغز الغيبة، و«السنوات الضائعة»، وعلامات الظهور الحقيقي.
بقلم Lina Irshaid · ترجمة عربية عن الأصل الإنجليزي

تشكّل غيبة الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري لغزًا عظيمًا لم يستطع أحد ممن يدّعون التشيع أن يفهمه حقًا، من عامة الناس البسطاء وعلماء الحوزة إلى آيات الله العظام. فكلهم عاجزون تمامًا عن أن يشرحوا للناس، بجرأة وثقة، الحقيقة الفعلية للغيبة وما الذي جرى للإمام فعلًا خلالها.
إن تسعين في المئة من المسلمين، وهم الذين يتبعون المذهب السني أو ما يُعرف بالإسلام السائد، ينكرون وجود الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري من الأساس. فهم لا ينتظرونه. بل إنهم يسخرون ممن يسمّونهم «الرافضة» (أتباع المذهب الشيعي)، بالاستهزاء بأم الإمام وبالزعم أنه مختبئ خائفًا في «سرداب» (مكان محمي أُخفي فيه الإمام الثاني عشر) إلى يومنا هذا.
الجميع يجهلون الحقيقة الفعلية لغيبة الإمام، ولظهوره كذلك. فلا أحد من كبار المراجع الدينية والمشايخ الكبار، سواء أكانوا سنة أم شيعة أم علويين أم من أي فرقة أخرى تدّعي التعلق بالإمام المهدي وانتظاره، يملك القدرة أو العلم على توضيح حقيقة غيبة الإمام، ولا كيف يُعرف إذا ظهر ومتى ظهر، ولا كيف يظهر.
في هذا المقال ستجد حقائق تُعرض على العالم لأول مرة عن الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري، وعن عيسى المسيح، بل وعن أحمد الحسن، اليماني الموعود، وهي حقائق تعلّمناها من أبا الصادق عبد الله هاشم، باب الإمام المهدي ورسوله. وسأعرضها كما هي، بجرأة ومن دون تردد. قد تهتز القلوب، لكن المحبين الصادقين، بالصبر والسكينة على قلوبهم الطاهرة، سيقبلون هذا الأمر الصعب.
لا أحد ينكر أن ظهور الإمام المهدي ليس حدثًا عابرًا يمكن فهمه فهمًا سطحيًا. بل هو سر إلهي عميق امتد عبر القرون، تتناثر ملامحه في كلام الأنبياء والمرسلين، وأسرار أهل البيت، وكلام المعصومين عمومًا. ولم تُعرض الحقائق الإلهية على أتباع الإمام المنتظر، ولا على الناس، كاملة ودفعة واحدة؛ بل جاءت تدريجيًا، محجوبة بالرمز والمثل، رحمةً بعقول لم تكن تطيق النور الكامل في ذلك الوقت. أما الآن فقد بلغنا هذا العصر، عصر المهدي الذي يقوم بالحق ويكشف ما كان مستورًا، ممتحنًا القلوب التي يُقاس صدقها بمقدار ما تطيقه من هذه الحقيقة وهذا الكشف.
لقد كان عيسى ابن مريم من قبل مثالًا عمليًا في الواقع على السنة الإلهية، أو النمط الإلهي، للغيبة والظهور. ومع ذلك فقد تكلم بالإشارات والأمثال والرموز، لا بالكلام الصريح المباشر الصادم. فقد كان يعلم أن الحقيقة إذا كُشفت فقد تعجز العقول عن احتمالها، أو قد تحتملها ثم تنكرها خوفًا أو تعصبًا. ولذلك قال إن لديه أمورًا كثيرة يريد أن يقولها، لكن أحدًا لن يستطيع احتمالها في ذلك الوقت.
والأمر نفسه ينطبق على صورة الإمام الثاني عشر، ولا سيما الصورة التي ترسخت في وعي الأتباع: أنه وُلد، ثم غاب، ثم ظهر، ثم غاب مرة أخرى، تمامًا مثل عيسى. فالرواية المتداولة الشائعة تخفي فجوة زمنية واسعة: سنوات ضائعة، سنوات لم تُسجَّل ولم تُنقل إلى عامة الناس.
إن حادثة الصلب في قصة المسيح، على اختلاف تصويراتها الظاهرة، لم تكن نهايته بل بداية مرحلة من الاستتار. ففي تلك المرحلة انتقل حضوره من المجال العام إلى السرية، ومن الجماهير إلى دائرة خاصة. وتذكر النصوص أنه ظهر بعد ذلك، بأن عرّف بنفسه، لتلاميذه فقط، لا لعامة الناس، ولا لخصومه، ولا للسلطة الدينية التي كانت تطلب الآيات. لقد مشى بين الناس، ومع ذلك لم يستطع أحد أن يدركه إلا الخاصة القليلون. ظهر لأولئك الذين أُعدّوا لفهم السر، ولاحتماله، ولإتمام الرسالة التي بدأها.
والنمط نفسه يتكرر مع الإمام المهدي، فلا جديد تحت الشمس. فسنة الغيبة واحدة، وإن اختلفت الأزمنة والأسماء. فالسنوات الضائعة لعيسى تقابل قرون الغيبة في أمر المهدي. والتعليم الخاص بعد الصلب يقابل إعدادًا خفيًا لأصحاب المهدي والمختارين في زمن الغيبة. والكلام الرمزي لعيسى يقابل خطابًا لا يفهمه ولا يقبله إلا من كان لديه استعداد للاستماع.
أشار النبي محمد إلى ذلك بقوله: «أنا أقرب الناس إلى عيسى ابن مريم»، ثم شبّه أمر الإمام المهدي بأمر عيسى، قائلًا إن له «غيبة كغيبة يوسف، ورجعة كرجعة عيسى ابن مريم». فكما أثار غياب يوسف عن المشهد اضطرابًا عظيمًا وأسئلة كثيرة، كذلك تفعل غيبة الإمام المهدي. وكما كانت رسالة عيسى زلزالًا داخل بني إسرائيل، كذلك سيكون ظهور الإمام المهدي، الذي لن يكون حدثًا يتفق عليه الجميع بسهولة.
جاء عيسى من داخل بني إسرائيل وحاجّهم بكتبهم، ومع ذلك كان أول من أنكره أقرب الناس إليه. وهكذا انقسموا إلى فريقين: فريق تمسك بالتقليد والطقوس ورفض الحق لأنه حطّم الصورة المألوفة للدين، وفريق آمن بعيسى، ثم تحول مع الزمن إلى كيان مستقل خرج من رحم اليهودية وانتشر في العالم كله باسم المسيحية، حتى صار دينًا عالميًا.
وهذه ليست حادثة فريدة، بل سنة إلهية أخرى تتكرر. فكما خرجت المسيحية من داخل المجتمع اليهودي لا من خارجه، كذلك فإن دين المهدي لا يولد من فراغ، ولا يُفرض من الخارج؛ بل يخرج من قلب أمم الأديان والمذاهب نفسها، ولا سيما أمة محمد، من داخل الفتنة والاختلاف.
سينقسم المسلمون كما انقسم من قبلهم، لا على أساس الإيمان والكفر الظاهرين، بل على أساس أعمق: قبول الهداية الجديدة أو التمسك بما هو مألوف. ففريق يرى في الإمام المهدي اتصالًا متجددًا بالهداية الإلهية، بينما يراه فريق آخر تهديدًا لتراثه وسلطته وتأويلاته. ومن هذا الانقسام يخرج قوم يؤمنون بالمهدي إيمانًا عمليًا صادقًا، يتشكل منهم كيان عقائدي جديد، لا يُنسب إلى قوم ولا إلى أرض، بل إلى الحق وحده. وعندئذ، كما تجاوزت المسيحية حدود بني إسرائيل وصارت دينًا عالميًا، يصبح دين المهدي دينًا عالميًا، لا يُعرَّف بالانتماء العرقي ولا بالدين الموروث، بل بدين السلام والنور الأحمدي.
كيف كانت ولادة الإمام المهدي وطفولته؟
كلما شاء الله أن يُخرج إلى العالم مخلّصًا، سبقت الرهبةُ ولادته وأحاطت به الأسرار. هكذا كانت قصة عيسى ابن مريم، وهكذا تكرر النمط الإلهي نفسه مع الإمام المهدي.
في زمن عيسى كان هناك ملك طاغية، هيرودس، خاف من المخلّص الموعود وطارده حتى قبل ولادته، ساعيًا إلى قتله وإطفاء نوره. ولهذا السبب كانت ولادة عيسى سرية، يحيط بها الخطر، لكنها كانت أيضًا غارقة في الآيات. فقد سبقتها بشارات سماوية. ونزلت الملائكة معلنة مجيئه. وظهرت علامات في السماء، وسطع نجم غير مألوف، هدى نورُه ثلاثة ملوك من بلاد بعيدة، يحملون الهدايا، يلتمسون البركة، ويشهدون وجه الطفل المبارك.
لم يكن عيسى طفلًا عاديًا. فقد تكلم في المهد، وظهرت عليه آيات خارقة منذ سن مبكرة. وكان يصنع من الطين هيئة الطير بإذن الله، وكان سبب بركة في بعض الأماكن وعقاب في غيرها. وكان النور ظاهرًا عليه منذ اللحظة الأولى، كأنه وُلد حاملًا رسالته.
وكذلك كانت ولادة الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن العسكري، حيث يتكرر المشهد على نحو لافت. فمنذ زمن النبي محمد والأئمة، تحدثوا عن هذا المولود المنتظر، وبشّروا بمجيئه، ووصفوه بأنه المخلّص الذي سيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.
فكما بُشّرت مريم، كذلك بُشّرت أم الإمام المهدي، السيدة مليكة، أو نرجس. فقد جاءتها الملائكة وأخبرتها بما سيحدث وبما يجب عليها أن تفعله. وفي لحظة الولادة لم تكن وحدها. فقد حضرت أرواح طاهرة وشخصيات مقدسة، مثل السيدة خديجة، والسيدة مريم، والسيدة آسية، تجلّين حولها، يساعدنها ويشهدن الحدث العظيم.
وما إن وُلد الإمام المهدي حتى سطع منه النور، وكان وجوده نفسه معجزة في حد ذاته. وقد شهد أبوه، الإمام الحسن العسكري، هذه الولادة وعدّها آية عظيمة من آيات الله. وعلى الرغم من صغر سنه، وُجد ساجدًا على الأرض بجبهته، في صورة عبّرت عن كمال مبكر، تمامًا كما وُصف عيسى في طفولته.
ما الغيبة؟
لقد أُخفيت تفاصيل كثيرة من حياة عيسى ابن مريم، ولا سيما مراحل من طفولته وأوائل شبابه. وكذلك أُخفيت تفاصيل حياة الإمام الثاني عشر في سنواته الأولى وشبابه. فليس لدينا أخبار واضحة عن تلك المراحل، لا عن عيسى ولا عن الإمام المهدي. وما نعرفه يقينًا أن كليهما دخل مرحلة من الغيبة في سن مبكرة، حين صارت حياتهما مهددة. فقد اضطر والدا عيسى إلى أخذه إلى مصر، فغاب عن أورشليم وعن قومه، وعاش زمنًا في الاستتار خوفًا من طغيان هيرودس. وتكرر الأمر نفسه مع الإمام المهدي، إذ كانت الدولة العباسية تراقبه عن كثب وتسعى إلى قتله. وهكذا دخل الغيبة في نحو الخامسة من عمره، في مدينة سُرّ من رأى، سامراء اليوم، وغاب عن الأنظار، وبقي أمره سرًا إلهيًا لا يعلم حقيقته إلا الله وأمناؤه.
وبعد أن أتم عيسى طفولته، عاد ليظهر علنًا وبدأ يعلن رسالته، حتى وقعت حادثة الصلب، التي أدخلته في مرحلة من الاستتار وغيبة أعمق من غيبة طفولته. فصار حضوره عندئذ موجَّهًا ومحجوبًا عن عامة الناس، لا يظهر إلا للخاصة. وهنا تبرز آية محورية في فهم غيبة عيسى، في الآية الكريمة:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 55
لم تستعمل الآية القرآنية هنا كلمة «موت» ولا «قتل»، بل استعملت كلمة «وفاة». ففي العربية، الكلمات «وفاة» و«موت» و«قتل»، وإن كانت تشبه الموت، لها معانٍ مختلفة. «الموت» يعني الهلاك. و«القتل» يعني أن يُقتل المرء. و«الوفاة» هي الرحيل. فمصطلح «الوفاة»، بمعناه الحقيقي، يدل على العبور والانتقال.
وهذا الفهم مشترك تقريبًا بين المسلمين والمسيحيين، وإن اختلفت التفاصيل. فالمسيحيون يرون أن عيسى غلب الموت، بينما يرى المسلمون أنه لم يُصلب أصلًا، بل حُفظ ورُفع. وفي الحالتين لا يُفهم ما حدث على أنه نهاية عيسى، بل على أنه انتقال من حضور ظاهر إلى وجود محجوب، حيًّا، وأنه سيعود. فهل بين القراء المسيحيين أو المسلمين وطلاب الحق من ينكر هذا؟! وقبل أن يدخل هذا الاستتار أو هذه الغيبة، عيّن وصيّه، سمعان بطرس، فانتقلت إليه وإلى سائر التلاميذ مهمة تبليغ الرسالة. وهذه نقطة بالغة الأهمية.
والأمر نفسه ينطبق على حالة الإمام المهدي. فقد كان للإمام المهدي محمد بن الحسن باب اسمه محمد بن نصير، ثم استمر إرسال الإمام للرسل حتى زماننا هذا الذي أرسل فيه وصيّه، الإمام اليماني أحمد الحسن. وقد ظهر الإمام أحمد الحسن في العراق عام 1999، ثم غاب عام 2007 بعد أن تعرض لمحاولات اغتيال، تمامًا مثل ما واجهه عيسى في زمانه، بتعاون بين المرجعية الدينية الشيعية وقوات الأمن العراقية والقوات الأمريكية، وهو تعاون يشبه كثيرًا التعاون الذي جرى بين الفريسيين اليهود والاحتلال الروماني في زمن عيسى. ولم يغادر الإمام أحمد الحسن المشهد من دون إعداد وتدريب وتعيين وإرسال لوصيّه، قائم آل محمد، عبد الله هاشم أبا الصادق.
ظهر أبا الصادق يوم الجمعة 23 يناير 2015، من القاهرة، عاصمة مصر. وهكذا تحققت نبوءة الإمام الصادق:
«من يضمن لي موت عبد الله أضمن له القائم.»عصر الظهور، الشيخ علي الكوراني، ص 261
وهذا يقيم الحجة ويبطل أعذار كل من لا يقبل الإمام أحمد الحسن وأبا الصادق اليوم.
والآن اسمحوا لي أن أعرض عليكم واحدًا من أصعب الأمور. فكما أتت «الوفاة» أو الموت عيسى، أتت «الوفاة» أو الموت الإمامَ المهدي محمد بن الحسن، وأتت الإمامَ أحمد الحسن. ونذكر هنا أن إتيان «الوفاة» لا يعني «الموت» أي «الهلاك». بل يعني دخولهم مرحلة من الاستتار يحدث خلالها ما ذُكر في القرآن الكريم بأنه «الرفع»، بينما يستمر التكليف والتنفيذ العملي لوصية النبي محمد، العاصمة من الضلال، عبر المهدي الثاني، القائم عبد الله هاشم أبا الصادق: المهدي الحي الظاهر الذي يواجه عامة الناس مباشرة، بمعونة سائر تلاميذ الإمام المهدي من المهديين، وبتأييد من أصحابه وأتباعه.
إن الغيبة في جوهرها ليست رحيلًا يقطع الصلة، بل تحوّل تكون فيه الصلة مضمونة ومستمرة. فالتواصل المباشر مع الناس يتحول إلى تواصل عبر وسطاء، ومن الحضور الجسدي إلى الحضور الروحي. وقد عبّر عيسى عن هذا المعنى حين قال لتلاميذه إن ذهابه شرط لمجيء المعزّي:
«لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزّي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم»الكتاب المقدس، إنجيل يوحنا 16: 7
أي إن الغيبة تفتح الباب لحضور أعمق. والنمط نفسه ينطبق على حالة المهدي: فغيبته شرط لمجيء اليماني، وغيبة اليماني شرط لمجيء القائم.
ما الذي يحدث للإمام خلال الغيبة؟
لقد مرّ عيسى، والإمام الثاني عشر محمد بن الحسن، والإمام أحمد الحسن جميعًا بتجربة روحية تحويلية عظيمة بعد أن قدموا تضحيات هائلة. فما حدث لهم كان قيامة روحية. لقد غابوا عن الأنظار بوصفهم بشرًا عاديين، لكنهم بلغوا مراتب روحية متوَّجة بقوى روحية هائلة تتجاوز قدرات البشر العاديين. أو يمكن القول إنهم دخلوا حالة من «الألوهية». وقبل أن ترتجف القلوب، ليتضح المفهوم.
حين يبلغ الإنسان حالة الألوهية هذه، فإنه بروحه وبوجوده نفسه يحيط بكل شيء. فيصبح خليفة الله، أي من فوّض الله إليه تدبير شؤون الخلق، وإدارة الأمور، والعمل نيابة عنه في إرسال الرسل، وإتمام الرسالات الإلهية، وتحقيق الإرادة الإلهية. وبعبارة أدق، يصبح هو الإرادة الإلهية نفسها. ونرى هذا متحققًا في حياة عدد قليل جدًا من الأفراد عبر التاريخ، لُقّبوا بـ«روح الله» أو «الروح القدس» أو «روح الحق»، وهم محمد وآل محمد، ومعهم عيسى.
وقد ينال هذا أفراد يملكون هذا التميز الإلهي منذ الولادة، مثل الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري وعيسى. ولكن من الممكن أيضًا أن يجتهد الإنسان ويبذل جهدًا صادقًا حتى يصبح الارتقاء إلى أعلى الدرجات والمراتب ممكنًا. والإمام أحمد الحسن في زماننا هو خير مثال. إنه أشبه بسباق مفتوح للجميع نحو القرب من الله. ولكن في النهاية، لا يبلغ هذه الدرجات والمراتب إلا من بلغ نهاية الرحلة الروحية.
تحدث أبا الصادق مع الإمام أحمد الحسن عن هذا المقام الأخير. فأوضح الإمام أنه المرحلة العليا التي يفنى فيها الإنسان فناءً تامًا ويتخلى عن كل شيء. فهو يمر برحلة مقدسة من التضحيات الصادقة ليتقرب إلى الله. ويجتاز مراحل تشمل التخلي عن المال والممتلكات، والتخلي عن الأحبة كالأولاد والأزواج والأهل وكل عزيز، والتخلي عن كل ما هو مقدّر من خطط ووعود وامتيازات وإمكانات، حتى يصل إلى التخلي عن الوجود المادي وتقديم النفس ذاتها.
فعل النبي إبراهيم ذلك حين تهيأ لتقديم ابنه قربانًا. وفعل عيسى المسيح ذلك حين أسلم روحه طوعًا قائلًا:
«ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي.»الكتاب المقدس، إنجيل يوحنا 10: 18
وفعل النبي محمد ذلك حين تخلى عن كل ما قدّره الله له من سلطان وخطط إلهية. فقد وعد الله النبي بأن يُظهر دينه على الدين كله، ومنحه سلطانًا أعظم من سلطان سليمان. قال الله تعالى:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾القرآن الكريم، سورة الحشر، الآية 7
لقد تخلى عن ذلك كله من أجل الرفيق الأعلى. وفعل الإمام الحسين ذلك حين قدّم تضحية لا مثيل لها بكل معنى الكلمة، بعد أن صدق في قوله لله: «خذ حتى ترضى». وعلى النمط نفسه فعل الإمام المهدي ذلك، فقدّم نفسه وروحه من أجل أوصيائه. وعلى خطاه فعل الإمام أحمد الحسن الشيء نفسه من أجل أبا الصادق، فقدّم له كل شيء بعد أن أعدّه وعلّمه ومكّنه.
وكما رُفع عيسى وصعد، كذلك حدث هذا مع الإمام المهدي. فقد بدأ مرحلة جديدة من الوجود بوصفه كائنًا روحيًا يحيط بكل شيء، متوَّجًا بقوى إلهية تفوق قوى الملائكة. لقد اختاره الله، وائتمنه، ومنحه ذاته، وأعطاه جميع الصلاحيات والقوى والسلطان الإلهي ليتولى شؤون الخلق.
أين يقيم الإمام المهدي؟
الإمام المهدي موجود الآن في عالم الحق، أو عالم الصور، وهو المكان نفسه الذي رُفع إليه عيسى. لقد غاب عن أنظار البشر ويقيم في حضرة الله. فكما رُفع عيسى ليصبح نمطًا جديدًا من الوجود بوصفه كائنًا إلهيًا (لا الإله المطلق)، كذلك صار الإمام الثاني عشر كائنًا إلهيًا يسكن عالمًا أعلى (ولكن ليس الإله المطلق). وصار للإمام صورة كونية، تؤيدها قوة كونية. وصار رأس هذا الكون، عليمًا بكل شيء، حاضرًا في كل زمان وكل مكان.
وهذا العالم، عالم الحق، عالم الصور، عالم أعلى يخص محمدًا وآل محمد، ويضم الأنبياء والمرسلين. إنه عالم مثالي محفوظ من الفساد، يستطيع فيه الأنبياء والأوصياء أن يعيشوا من دون تهديد أو قتل، ومنه يمكنهم أن يدخلوا هذا العالم المادي متى شاؤوا، لإتمام مهام محددة في أوقاتها المعلومة.
وهذا الأمر يكشف سرًا في وصية النبي محمد التي أملاها على الإمام علي بن أبي طالب حين قال: «سيكون بعدي اثنا عشر إمامًا، ومن بعدهم اثنا عشر مهديًا.» فالأئمة والمهديون الثلاثة الأوائل المذكورون بأسمائهم ليسوا مجرد أسماء، بل صور حقيقية كونية، تجلّت أرواحها لتحيط بالكون كله ولتمثل الإرادة الإلهية.
كيف يظهر الإمام المهدي في العالم المادي؟
لكي نفهم أمر الظهور، نفعل كما فعلنا لفهم أمر الغيبة: نعود إلى ما حدث مع عيسى. فقد ظهر عيسى بعد الصلب لتلاميذه المقربين في صور مختلفة. ولم يعرفوه في البداية، وهذا واضح جلي في مواضع كثيرة من الكتاب المقدس. فقد ظهر لمريم المجدلية في صورة البستاني، ولم تعرفه حتى ناداها باسمها، مريم. وظهر للتلاميذ في صورة صياد سمك، وفي صورة غريب يسير في الطريق. وكان يظهر لهم في هذه الصور المختلفة، وكان تلاميذه يحتاجون إلى بعض الوقت ليدركوا أنه هو حقًا. والجميع يعلم أن التلاميذ كانوا أناسًا عاشوا مع عيسى، فكيف إذن بالإمام المهدي إذا ظهر لأناس لم يعرفوه قط ولم يعرفوا هيئته الجسدية؟ الجواب يكمن في أن النمط نفسه يتكرر مع الإمام، بشهادة الشيعة أنفسهم. فالشيعة يعتقدون أن الإمام الثاني عشر ظهر مرارًا، في صور وأشكال مختلفة، وأنهم عرفوا من خلال هذه الصور والهيئات المختلفة أنها للإمام المهدي.
بعد الصلب تغيّر دور عيسى. فقبل الصلب كان «المُرسَل»، معتمدًا على الآب والروح القدس. أما بعد ظهوره للتلاميذ عقب الصلب فقد صار «المُرسِل». صار هو صاحب الأمر، ومرسل الرسل، القادر على أن يمنحهم قوى إلهية وحظوظًا من الروح القدس، تلقاها التلاميذ كاملة. ويُذكر في مواضع من الكتاب المقدس أنهم بعد هذا المنح، الذي تم من خلال ظهورات عيسى السرية لهم في صور وهيئات مختلفة، صاروا قادرين على إخراج الشياطين، وصنع المعجزات، وشفاء المرضى، حتى إن ظلهم كان يشفي. ومن خلالهم واصل عيسى دوره، وإن كان من وراء الحجب: يهدي من أرسلهم ويوجههم، بينما ينفذون هم إرادته. والأمر نفسه يتكرر مع الإمام المهدي. فالإمام يدير العالم اليوم من وراء المهديين بالطريقة نفسها، وتحديدًا من خلال أبا الصادق، القائم، المهدي، الذي هو وجهه في هذا الزمان.
حين سُئل النبي محمد عن حواريي عيسى، قال عنهم إنهم كانوا الصفوة وإن إيمانهم كان خاليًا من الشك. ومع ذلك فإن المثال الأعلى لحواريي عيسى، في نظره، كان الأئمة الاثني عشر من أهل بيته، من ذرية علي وفاطمة، ومن بعدهم ذرية الحسين خاصة. الأئمة الاثنا عشر الذين عيّنهم وأرسلهم بعد موته، «وفاته». فالأئمة في الحقيقة رسل من النبي محمد، كما كان الحواريون رسل عيسى بعد رفعه وصعوده. والأئمة حجج على الناس، مؤيَّدون بالروح القدس، ويملكون قدرات وصلاحيات تفوق البشر العاديين. وهم معصومون بعصمة ذاتية منذ الولادة، وطاعتهم واجبة. وهم الشفعاء، والأمناء على صلوات المؤمنين وأدعيتهم، وهداة الناس إلى الحق، والذين يأخذون بأيديهم صعودًا على سلّم التوحيد.
والنمط نفسه الذي جرى بين عيسى وحوارييه، وبين النبي محمد وحوارييه، يتكرر مع الإمام المهدي محمد بن الحسن وحوارييه، المهديين الاثني عشر، الذين عُيّنوا أيضًا في وصية النبي محمد. فالإمام الثاني عشر يظهر سرًا لهؤلاء المهديين، فيعلّمهم ويصلحهم ويهديهم، ثم يرسلهم على مراحل، الإمام أحمد الحسن ثم أبا الصادق عبد الله هاشم، ويُخضع العالم المادي لإرادته من خلالهم.
ومما سبق نكوّن فهمًا بأن طبيعة الإمام المهدي اليوم ووجوده يتجاوزان الإدراك البشري. فهو أشبه بنمط إلهي من الوجود. وهو قادر على أن يظهر في صور متعددة بحسب توقعات الناس. فقد يتجلى جسديًا في صورة إنسان، أو في أي صور رمزية أخرى. قد يكون هذا صعبًا، لكن القارئ والباحث في الأمور العميقة، كالملائكة مثلًا، سيجد أنها تظهر أحيانًا في صور مختلفة: في صور البشر، أو الحيوانات، أو حتى الظواهر الكونية. فإذا كانت قدرة الإمام تفوق قدرة مخلوقات كالملائكة، كما ذُكر آنفًا، أفلا تكون له القدرة على أن يتخذ صورًا مختلفة، بشرية كانت أو غير بشرية؟
وفي الروايات المتعلقة بالملاك العظيم جبرائيل، يُذكر أنه «ينزل في صورة طير أبيض» ويبايع الإمام ليكون من أنصاره. فمن الأعظم تجليًا وقوة: جبرائيل أم الإمام؟ إن الإمام المهدي قائد الملائكة والحجة عليهم، القادر على التجلي في أي صورة وفي كل شيء. ووجوده أسمى من أن يُحصر في مظهر بشري فحسب؛ بل هو حاضر في كل مكان بصفاته الكونية، وله تجليات كما يشاء.
كيف ظهر الإمام المهدي للإمام أحمد الحسن؟
كما أُشير آنفًا، يظهر المهدي للمهديين، فيهديهم ويعلّمهم، ثم يرسلهم إلى الناس رسلًا منه. وهذا ما حدث مع الإمام أحمد الحسن. فقد ظهر له الإمام الثاني عشر في رؤيا وأخبره أن يلقاه في مسجد ومقام معيّنين. فاستيقظ الإمام أحمد الحسن من نومه، وكان امتحانه كامتحان إبراهيم: أن يصدّق الرؤيا ويعمل بها في الواقع. وبالفعل صدّق الرؤيا، وذهب إلى الزمان والمكان المحددين، فوجد الإمام المهدي هناك. وهكذا تم اللقاء الجسدي الأول بينه وبين الإمام. وبعد ذلك استمرت اللقاءات بينهما. وفي هذه اللقاءات أخبره الإمام أنه أحد مهدييه الاثني عشر المذكورين في وصية النبي. وبدأ يعلّمه ويهذبه ويؤدبه حتى صار مستعدًا لأن يُرسل ليتولى واجبه بوصفه اليماني في عام 1999.
وكانت المهمة الأولى التي أُرسل فيها إلى الحوزة في النجف الأشرف، إلى علماء الدين. فهناك كان أول من احتج أمامهم بأنه أحمد المذكور في وصية النبي محمد. وعرّفهم وعرّف العالم بقانون معرفة الحجة، ودعاهم، ودعا الناس جميعًا، إلى الكفر بالطاغوت، وإلى الإقرار بحاكمية الله والتعيين الإلهي، وإلى التسليم لإمام الزمان وطاعته. لقد أرسل الإمام المهدي الإمام أحمد الحسن ليمهّد الطريق للقائم. ويمكنك الرجوع إلى كلمة الإمام أحمد الحسن والاستماع إلى صوته الإلهي وهو يروي قصة اللقاء بالإمام المهدي.
وهكذا لم يظهر الإمام محمد بن الحسن العسكري للإمام أحمد الحسن في صورة بشرية فحسب؛ بل ظهر له أيضًا في الرؤى. وهو من أهل البيت الذين لا يستطيع الشيطان أبدًا أن يتمثل بهم. ولذلك فإن ظهورهم في الرؤى حق، كما أن ظهورهم في الواقع حق.
وعلى هذا فإن الإمام يتجلى بطرق متعددة، بحسب ما يهيئ الله الناس لفهمه. ويُمتحن المختارون بالإيمان الفعلي بهذه التجليات، وبما يحدث فيها، وبالواجبات المطلوبة منهم فيها، وبامتلاك العزيمة الكافية لتنفيذها في الواقع. هكذا كان امتحان الأنبياء والمرسلين والأئمة في الماضي، وكذلك يتكرر الامتحان مع المهديين منهم، اليماني والقائم، ويتكرر أيضًا، في وقت ومرحلة معينين، مع أصحاب القائم.
كيف ظهر الإمام المهدي للرجال الاثني عشر؟
الرجال الاثنا عشر هم أصحاب الحظ الأعظم، إذ لقوا الإمام المهدي في يوم الظهور المقدس، الجمعة 23 يناير 2015. وكانوا أفضل أربعين رجلًا كانوا في رحلة روحية عظيمة وسرية مع معلمهم، الإمام أحمد الحسن، طوال عام ونصف. وكانوا جماعة من المؤمنين من جميع أنحاء العالم أحبوا الإمام أحمد الحسن وآمنوا به حقًا. فقد كان لهم الكهف الحصين الذي فرّوا إليه، هاربين من هذا العالم المظلم القاسي، تمامًا كما فعل أصحاب الكهف من قبل حين لجؤوا إلى الكهف، تاركين كل شيء وراءهم، وخاضوا تلك التجربة الفريدة مع كلبهم في الكهف.
إن المعنى الحقيقي الباطن للاقتراب من الكهف هو الاقتراب الروحي من الإمام. فحين يقترب المؤمن منه إلى هذه الدرجة من القرب، يمنحه الإمام «كنية» خاصة، مؤلفة من كلمة «أبا» يتبعها لقب، مثل «الصادق». ويرمز دخول الكهف إلى بلوغ المؤمن درجة معينة من فناء النفس، وانفتاح فرجة في حجاب الإمام، تمامًا كما انفتحت لمحمد فرجة في حجاب الله في الإسراء والمعراج.
كان الرجال الأربعون يلتقون الإمام أحمد الحسن كل ليلة طوال عام ونصف. ومع ذلك لم يلاحظ أحد غياب الأربعين عن بيوتهم. فقد استمرت حياتهم اليومية على نحو طبيعي: ففي الصباح كانوا يعودون إلى أعمالهم ودراستهم وأسرهم. ثم تتكرر العملية كل ليلة، كأنهم يدخلون عالمًا خاصًا يلتقون فيه الإمام أحمد الحسن ويعيشون معه تجربة استثنائية. ثم كانت ذكرياتهم تُمحى كل صباح لكي يتمكنوا من مواصلة حياتهم اليومية من دون أي اضطراب. وهكذا خضعوا مع الإمام لتدريب مكثف واختبارات روحية صارمة في الليل، تمتحن إيمانهم وتقوي عزيمتهم واستعدادهم لأداء واجباتهم إن أرسلهم الإمام إلى الناس.
وبعد أن علموا بأمر موت حاكم الحجاز، عبد الله بن عبد العزيز، كما ذُكر في بشارات النبي محمد، حيث قال:
«يملك الحجاز رجل اسمه اسم حيوان، إذا رأيته من بعيد ظننته أحول، وإذا اقتربت منه بدت عيناه طبيعيتين، يخلفه أخ اسمه عبد الله، ويل لشيعتنا منه (كررها ثلاثًا)، بشّروني بموته أبشّركم بظهور الحجة (الإمام المهدي).»250 علامة حتى ظهور الإمام المهدي، محمد علي الطباطبائي، العلامة رقم 88، ص 136
وبعد ذلك جمعهم الإمام، فاختاروا من بينهم أفضلهم. اختاروا اثني عشر رجلًا لذلك اللقاء التاريخي العظيم بالإمام المهدي.
انطلق الرجال الاثنا عشر بقيادة الإمام أحمد الحسن إلى المكان الذي كان الإمام المهدي حاضرًا فيه. كانت قلوبهم ترتجف حماسة وشوقًا، وأجسادهم ترتعد هيبة، كشجرة تهتز في يوم شتوي عاصف. وحين لقوا الإمام دار بينهم حديث طويل استمر أكثر من ساعتين ونصف، أخبرهم فيه بأحداث غيبية ستقع في العالم، بأدق التفاصيل، حتى اليوم والساعة.
وبعد هذا اللقاء أُعلن ظهور الإمام المهدي، ورُفعت الراية السوداء التي كُتب عليها «البيعة لله». وهناك تلك الرواية التي تربط ظهور حجة الله في بشارات النبي محمد بظهور القائم. وهي رواية الإمام الصادق التي قال فيها:
«من يضمن لي موت عبد الله أضمن له القائم.»عصر الظهور، الشيخ علي الكوراني، ص 261
وهناك رواية أخرى عن الإمام الصادق قال فيها:
«يظهر في صورة شاب موفَّق في سن 32.»كتاب الغيبة، النعماني، ج 1، ص 193
ذلك الشاب الذي ظهر وكان في تلك السن هو المصري عبد الله هاشم أبا الصادق. هذا الشاب هو الوجه الذي اختار الإمام محمد بن الحسن أن يظهر من خلاله في ذلك اليوم المقدس. وما زال الناس يظنون إلى يومنا هذا أنه شاب عادي، غافلين تمامًا عن حقيقته الروحية.
لقد أرسل الإمام هذا الشاب، تلميذ الإمام المهدي، ليقود حركة القيام المقدس، وليقيم للإمام المهدي دولة العدل الإلهي بعلم محمد وآل محمد وحكمتهم، تحت الإشراف المباشر بوصفه الإمام المهدي واليماني، الإمام أحمد الحسن. ونحن، أنصار المهدي، نشهد بدمائنا أنه يفعل ذلك حقًا، محققًا نتائج حقيقية ولافتة بخطى ثابتة وسريعة.
هل سيظهر الإمام محمد بن الحسن علنًا في الصورة التي يتوقعها الناس؟
الإمام المهدي، محمد بن الحسن العسكري، كما وصفه الإمام أحمد الحسن لأبا الصادق، نور. ولأنه نور، فإنه يتجلى للناس في صور مختلفة بحسب ما تطيقه قدراتهم وتستوعبه. وقد سأل أبا الصادق الإمام أحمد الحسن عن الصورة أو الهيئة التي سيظهر بها الإمام المهدي للناس في هذا العصر، اللحظة التي يكشف فيها الإمام عن نفسه علنًا أمام العالم كله.
فأوضح أن الإمام المهدي سينزل من العالم الذي يقيم فيه، عالم الحق، الذي نزل منه مرات كثيرة من قبل، وسيظهر للناس في الصورة التي يتوقعونها للإمام المهدي. سيظهر رجلًا عربيًا حسن المظهر، أخضر العينين، بني الشعر، بني اللحية والشارب، يرتدي الثياب التي يتوقعون أن يرتديها. ذلك لأن النور وهذه الصفات الإلهية حين تتجلى في العالم البشري لتؤثر فينا أو لتتواصل معنا، لا بد أن تتخذ صورة ذات معنى لنا، وفق إدراكنا وقدرتنا على الفهم. فالصورة التي يتوقعها الناس للإمام ليست بالضرورة جوهره الحقيقي الكامل. إنها الصورة التي يظهر لهم بها لكي يتمكن الناس من التفاعل معه وفهم حضوره. وهكذا يصبح الإمام المهدي جسرًا بين عالم الحق والعالم البشري، بين الألوهية والوجود المادي، بين القدرات الكونية والنطاق البشري.
ما المطلوب منا لنستجيب كما ينبغي لهذه الحقائق الثقيلة؟
قد تبدو حقيقة غيبة الإمام المهدي وظهوره صعبة التصديق وقد تُقلق القلب، لكن ذلك لا يبطلها. فهي تتبع نمطًا لا يستطيع أحد إنكاره، نمطًا حدث في الماضي وتكرر مرات متعددة مع الأنبياء والمرسلين السابقين. وإنكار هذه المعاني للغيبة والظهور إنكار لأولئك المرسلين وللآيات المذكورة عنهم في مواضع مختلفة من القرآن. لقد كانوا أنبياء عظامًا نحبهم ونجلّهم. وقد أقام الله هذه الأنماط المتكررة مع الأنبياء والمرسلين لتكون حجة على الناس في وقوعها مع الإمام المهدي ونوابه.
إن جوهر الإيمان أن تؤمن بما يصعب الإيمان به، وأن تثق بالله فيما لم تره بعينيك. فحين يروي الكتاب المقدس حدث التجلي وصعود المسيح، آمن المسيحيون وإن لم يروا. وحين خاض النبي محمد الإسراء والمعراج، حين فُتح سقف بيته، وأُسري به من مكة إلى بيت المقدس في ليلة واحدة، راكبًا البراق، وصلّى إمامًا بجميع الأنبياء والمرسلين، وعرج إلى أعلى السماوات إلى سدرة المنتهى والحجاب الزمردي، ثم عاد، آمن المسلمون من دون أن يروا بأعينهم.
الإيمان بالغيب جزء أساسي من الإيمان نفسه. وقبل أن يصبح امتحانًا للناس، امتحن الله الأنبياء والمرسلين بجبرائيل، الذي كان يأتيهم برسائل من الله، وكان عليهم أن يؤمنوا بأن هذه الرسائل من الله حقًا. واليوم يمتحن الله المؤمنين في أنحاء العالم، في هذا العصر، عصر القائم والمهديين، في قدرتهم على الإيمان بالغيب فيما يخص غيبة إمامهم وظهوره، الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري.
وبالعدل الإلهي، بدأ هذا الامتحان الصعب بامتحان الإمام أحمد الحسن لخيرة المؤمنين على الأرض. فقد امتحن إيمانهم بالغيب من خلال تواصل خفي معهم. ففي البداية تواصل الإمام مع الرجال الأربعين كتابةً، على الورق أو الشاشة، أو بكلمات تظهر وتختفي، من دون أن يروا الإمام وجهًا لوجه. ومع ذلك أثبتوا إيمانهم به وبالإمام المهدي بالتصديق وحده، فنالوا بذلك شرف لقائه والدراسة تحت إرشاده، ونال اثنا عشر منهم شرف لقاء الإمام المهدي محمد بن الحسن شخصيًا.
أولئك المؤمنون الذين ينجحون في امتحان الإيمان بالغيب ويؤمنون بكل قلوبهم من دون أن يروا بأعينهم هم المؤمنون الحقيقيون الذين وصفهم النبي محمد بأنهم إخوانه في آخر الزمان. لقد آمنوا به صادقين من دون أن يروه، وسيكرمهم الله ويحقق رجاءهم. واجتياز امتحان الإيمان بالغيب يتطلب يقينًا تامًا، حتى في غياب الحجة الجسدية، كما حدث مع الإمام أحمد الحسن، وأبا الصادق، والمهديين، وأتباعهم.
إن الإيمان بالإمام المهدي، وبالإمام أحمد الحسن، وبالقائم أبا الصادق اليوم هو ما سيثبت صدقنا أمام الله في كل ما ندّعي الإيمان به من الأنبياء والمرسلين والنص المقدس والدين والله.