الدينوقت القراءة بالدقائق: 15

لماذا لا تكفي معرفة اسم الله

يُقرأ النص بالعربية

اقرأ المقال الأصلي على The Divine Just State

ترجمة عربية أعدّها المساعد الآلي عن النص الإنجليزي الأصلي، ولم يراجعها مترجم بشري. الاقتباسات (الأحاديث، الكتاب المقدس، الكتب، الأقوال) مترجمة عن صيغتها الإنجليزية، وليست نصوصها العربية الأصلية؛ أما ما بين ﴿ ﴾ فهو نص القرآن الكريم.

علّمنا الدين أسماء الله. ولكن ماذا لو لم تكن الأسماء إلا المدخل؟

بقلم Lina Irshaid · ترجمة عربية عن الأصل الإنجليزي

مكتبتي
أسرار المدينة الإلهية

أن تعرف اسم شيء ما لا يعني بالضرورة أن تعرف ماهيته. فقد نردّد اسمًا، ونُجلّه، بل ونبني حياتنا حوله، ونحن لا نزال غرباء عن الحقيقة التي يُراد لهذا الاسم أن يكشفها.

ويصدق هذا بوجه خاص على اسم «الله». ولكي نستكشف الفرق بين معرفة الاسم ومعرفة ما يكمن وراءه، لنتخيّل الله مدينةً، مدينةً تكشف أسماؤها وصفاتها وأسوارها وأبوابها أبعادًا مختلفة لحقيقة لا يمكن لأيٍّ منها أن يحيط بها.

ما هي المدينة؟

حين نسمع كلمة «مدينة»، نتصوّر بطبيعة الحال مكانًا ذا بوابات وشوارع وبيوت. غير أن المدينة التي نتحدث عنها هنا ليست مبنية من حجر، ولا هي مرئية للعين في العادة، وإن كان يمكن، بمعنى ما، أن تصبح قابلة للإدراك. إنها مدينة من المعاني والصفات الكاملة المثالية، تشير فيها كل صفة إلى شيء ما، ويكون فيها كل اسم علامةً. وكلما توجّه الخلق إلى هذه الأسماء والصفات، فإنه في الحقيقة يتوجّه إلى المدينة نفسها.

تُعرف هذه المدينة باسم «الله»، وهو اسم مألوف لنا جدًا. وهذا الاسم المعروف يعود إلى تلك المدينة العجيبة التي مواطنوها هم الكمالات الإلهية المتجسدة في الصفات الكاملة والأسماء الحسنى.

غير أن هؤلاء المواطنين لا يُعرّفون مدينتهم العجيبة بالضرورة، ولا يحيطون بها إحاطة تامة. إنهم يسعون إلى ذلك، ولا سيما من خلال جهدهم الجماعي وتعاونهم. ومع ذلك، فلهذه المدينة العجيبة ذاتٌ فريدة متميزة عن هذه الأسماء والصفات. وجميعها، مجتمعةً أو منفردةً، وإن كانت تامة كاملة، لا تستطيع أن تدرك هذا السر بعينه ولا الحقيقة الكاملة. وذلك لأن هذه الذات لا نظير لها بينها.

يكشف كل اسم من هذه الأسماء جانبًا واحدًا من المدينة، لكن أيًّا منها لا يحيط بها كلها. فليس الرحمن هو الحقيقة كلها، وليس الرحيم هو الحقيقة كلها، وليس الخالق هو الحقيقة كلها. ومع ذلك، كلما اقتربت من مركز المدينة، ازدادت اجتماعًا، وأفنى بعضها بعضًا، ثم أفنت نفسها في النهاية في الذات، حتى لا يبقى إلا «الله».

لا بد لهذه المدينة الإلهية من سور يحيط بها ويحميها. ولهذا السور، ككل سور، جانب داخلي وجانب خارجي، أي وجه داخلي ووجه خارجي. والسور جزء من المدينة. ويألف مواطنو المدينة الجانبَ الداخلي للسور ويتفاعلون معه من وجهه الداخلي، في حين يواجه من هم خارجها جانبه الخارجي. والوجه الداخلي لسور المدينة أجمل من وجهه الخارجي.

ويُسمح بدخول المدينة عبر فتحة واحدة في السور تقوم مقام الباب أو البوابة. وهذا الباب يواجه مباشرةً كل من هو في الخارج. وللباب أيضًا جانب خارجي وجانب داخلي. فجانبه الداخلي جزء من الوجه الداخلي للسور المحيط بالمدينة، أما جانبه الخارجي فهو جزء من الوجه الخارجي الذي يواجه أولئك الزوار الواقفين عند الباب طالبين الدخول. وهو أيضًا جزء من المدينة نفسها.

الجانب الخارجي لهذا الباب هو «الرحمن»، وجانبه الداخلي هو «الرحيم». وبعبارة أخرى، يمثّل الباب الرحمة الإلهية بطرق ووسائل ودرجات مختلفة، غير أن كليهما ينتمي إلى طبيعة الرحمة الإلهية ويشير إليها. ويظهر الباب في ظاهره بصفة «الواحد القهار»، مواجهًا أي عداء قد يصدر عن بعض الواقفين عند الباب طالبين الدخول. فالظاهر عقوبة، لكن الباطن يبقى دائمًا رحيمًا.

وهذا يذكّرنا بالقرآن الكريم، حيث تبدأ جميع سور القرآن بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، إلا سورة واحدة: سورة التوبة، التي نزلت في المنافقين. ففي مطلعها لا تُكتب البسملة، بل هي تبدأ ضمنيًا بـ«بسم الله الواحد القهار». والقرآن يمثّل المدينة الإلهية، «الله»، في صورة كتاب.

وكما تتجلى المدينة في كتاب مقدس، فمن الممكن، بل من المؤكد، أن تتجلى المدينة في صور أخرى وفي عوالم مختلفة، وتختلف صورتها من عالم إلى آخر. وكما نتحدث عن مدينة إلهية في السماء، فثمة مدينة كذلك على الأرض. قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم:

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [القرآن الكريم، سورة الزخرف (43)، الآية 84]

فكيف إذن نتعرّف على المدينة الإلهية على الأرض كما يُتعرَّف عليها في السماء؟ لقد وضعنا الله، الذي أنزل علينا القرآن، أمام معضلة منطقية لكي نتفكّر ونتعقّل. كيف نتعرّف على الكمالات الإلهية على الأرض؟ فكما أنها كيانات مخلوقة تتفاعل في السماء، فلا بد أن تكون كذلك على الأرض.

وقد وضعنا أمام معضلة منطقية أكبر حين أمرنا بأن نجعل عبادته الغاية المحورية لحياتنا بوصفنا بشرًا. فهل يعني هذا أن نعبد إلهًا جالسًا على عرش في السماء؟ إن معظم المتديّنين يفعلون ذلك، سواء اعترفوا به أم لا. فالأمر عندهم شكلي وسطحي، بل قَبَلي. وهم في الحقيقة لا يعبدون حقًا؛ وحتى إن عبدوا، فإنهم لا يعرفون ما يعبدون. إن الله يريد منا أن نعبده عن معرفة، في حين يعبد هؤلاء الناس عن جهل. والآية السابقة من القرآن الكريم تضع الجميع في مأزق.

نحن بوصفنا كائنات مخلوقة، بوصفنا بشرًا، يصعب علينا أن ندرك ما وراء حقيقة ذواتنا. والخالق غير مخلوق. وقد حلّ الله هذه المعضلة بما يُعرف بالتجلّي، وهو أسلوب إلهي صار خفيًا عن البشرية اليوم، مع أنه كان قائمًا على الدوام. إنه أمام أعينهم مباشرة، ومع ذلك هم عنه غافلون.

إنه يصرّح بوضوح بأنه كما هو إله في السماء، تعبده كائنات السماء، فهو كذلك إله في الأرض. ولذلك، فكما أن الله مدينة في السماء تجمع الأسماء والصفات، فهو كذلك مدينة في الأرض تجمع الأسماء والصفات، بحسب طبيعة هذا العالم الأرضي وأسبابه.

وكما كان القرآن الكريم صورةً لهذه المدينة في هيئة كتاب مقدس، فإن المدينة، الله، يمكن كذلك أن تتخذ صورة إنسان، وهذه مرتبة أعلى من الكتاب.

وكما أن في السماء الرحمنَ الرحيم، ففي الأرض رحمنٌ رحيم في صورة أرضية، وكذلك الرزّاق، والشكور، والصبور، والكريم، والعليم، وهكذا. وكما أن للمدينة الإلهية في السماء بابًا وسورًا وذاتًا، فلا بد أن تكون لهذه كذلك صورة أو تجلٍّ على الأرض.

والتجلّي أو الصورة التي اختارها الله لتكون أسمى تمثيل للمدينة وكمالاتها هي الصورة الإنسانية.

«فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه.» [سفر التكوين 1: 27]

كيف يمكن للبشر أن يتعرّفوا على الله وأسمائه الحسنى وصفاته الإلهية في الصورة الإنسانية، الخاضعة لظروف العالم الأرضي وطبيعته وقوانينه، لكي يُعبَد؟ وقبل ذلك، كيف يمكن للأسماء والصفات الكامنة في الصورة الإنسانية أن تعرف نفسها؟ وكيف يمكن لله، الذي يجمعها كلها، أن يعرف نفسه في صورة الأرض؟

كيف يمكن للبشر أن يتقبّلوا تجلّي الألوهية والربوبية في الخلق؟ إنها مسألة بالغة الحساسية، مسألة تجعل الناس يحبسون أنفاسهم، وتثير حملات من التهديد، والتكفير، والملاحقة الأمنية، والاضطهاد الديني، والتهم الملفّقة في هذه الدنيا، والتهديد بالعذاب الأبدي في النار في الآخرة.

ويصدق هذا بوجه خاص حين تأتي هذه المعارضة ممن يُعدّون مقدّسين، ممن يظهرون أمام الناس بأدوار وألقاب دينية كالفقهاء والعلماء والمراجع الدينية. فهم يروّجون الشكوك حول هذه المسائل ويختلقونها، زاعمين أنها بدعة.

ورغم بساطة المسألة ووضوحها، وانسجامها التام مع العقل والمنطق وما ورد في كتبهم المقدسة نفسها، فإن ردّ الفعل يكون مع ذلك على هذا النحو. وله أثر عميق في الناس: فهو يخيفهم، ويمنعهم حتى من التفكير في إمكانية أن يفكّروا بأنفسهم، وقد يقودهم، بسبب جهلهم، إلى أن يُستخدَموا ويُحشَدوا ضد كل من ينبّههم إلى الحق.

هؤلاء هم الذين علّموهم أن الله يُعبَد بالخوف والجهل، لا بالمحبة والمعرفة.

أنصح كل من أزعجته هذه الكلمات بأن يهدأ، ويأخذ نفسًا عميقًا، ويواصل القراءة، ثم يحمّل كتاب التوحيد للإمام أحمد الحسن من موقعنا ويقرأه بعناية لكي يفهمه.

لكي يعرف الخلقُ على الأرض اللهَ والكمالاتِ الإلهية، أراد الله أن تتجلى هذه الكمالات فيهم وفي حياتهم. وهذه الإرادة الإلهية نابعة من محبة الله العظيمة لنا. فكما خلقنا بالمحبة ويعرفنا، فهو يريد منا أن نعرفه، ونحبه، ونصير مثله.

إن تجلّيات أسمائه وصفاته فينا تدلّنا عليه، وتقرّبنا منه، وتمكّننا من معرفته. وبقدر محبتنا له، نسعى إلى أن نصير مثله.

لا يستطيع أحد أن ينكر أن كل كمال نعرفه، وكل خير ندركه، وكل رحمة أو علم أو حكمة نشهد آثارها في حياتنا، إنما مصدره في النهاية الله. ومع ذلك، يبقى فهمنا لهذه الأسماء والصفات محدودًا.

نحن نفهم معنى الرحمة، لكننا لا نستطيع أن نحيط بالرحمة الإلهية كلها. ونعرف شيئًا عن الحكمة، لكننا لا نستطيع أن ندرك كمال الحكمة الإلهية، فضلًا عن أن نفهم وندرك جميع الأسماء والصفات مجتمعة.

المدينة الإلهية على الأرض

إن فهم هذه الأسماء والصفات ومعرفتها، أو معرفة اسم الإله «الله»، لا يتأتّى بمجرد معرفة الألفاظ، بل يتأتّى بفهم كيفية تجلّيها في الخلق وفي أنفسنا. فالرحمة، على سبيل المثال، يمكن أن تُرى في أمٍّ ترعى طفلها، أو في حيوان يحمي صغاره، أو في مخلوق يرعى مخلوقًا ضعيفًا.

وهذه الصور لا تمثّل الرحمة الإلهية في كمالها، بل تمثّل تجلّيًا لها. فالرحمة التي تظهر في مخلوق ليست مستقلة عن الله، بل هي أثر من آثار رحمته وانعكاس محدود لصفته.

وكذلك يظهر العلم في الإنسان، وتظهر الحكمة في بعض أفعاله، ويظهر الجمال في الطبيعة، وتظهر القوة في بعض المخلوقات. وكل هذا يدل على أن صفات الله وأسماءه يمكن أن تتجلى في الخلق بدرجات متفاوتة.

والإنسان هو أقدر المخلوقات على أن يجعل هذه الكمالات الإلهية تشرق من قلبه، فتنعكس في أفكاره وأقواله وأفعاله. وذلك بشرط أن يطهّر قلبه من الأنانية والجهل، وأن يخضع لمن هو الأعلم ويطيعه، ليكتسب علمه ويصير مثله. وبهذا يصبح أكثر استعدادًا لأن يشعّ قلبه بهذه الصفات على نحو أنقى وأشمل، حتى تبلغ مستوى قريبًا من الكمال.

والأنبياء والمرسلون، والرسل أولو العزم، والأئمة، والمهديون، الذين وصفهم الله بأنهم خلفاؤه في أرضه وحُجُبه التي يواجه بها الخلق ويتواصل ويتفاعل معهم من خلالها، هم أمثلة على من بلغوا هذا السموّ الروحي والرفعة على الأرض. وكذلك الشهداء الصادقون، والصالحون، والأولياء، ونظراؤهم من الصحابة والشيعة المخلصين، هم أشباههم.

وأنقاهم وأشدّهم نورًا، أولئك الذين نجحوا في أن يعكسوا صورة مثالية لله بوصفه مدينة تجمع جميع الصفات والكمالات الإلهية، هم أهل البيت، الذين طهّرهم الله من كل رجس، وعلى رأسهم الرسول محمد، أشرف الخلق بينهم. وقد واجه الله الخلق من خلالهم بوصفهم صورته المثالية على الأرض، ومع ذلك لم يفارقوا هم أنفسهم قط مقام العبودية الكاملة لله. فمن يستطيع أن ينكر هذا؟ وهكذا صار الطرح المتعلق بالصورة المثالية لله على الأرض، أو التجلّي الأمثل لله على الأرض، مقبولًا لدينا منطقيًا.

كان محمد العبدَ الكامل لله الذي بلغ مسافة قاب قوسين أو أدنى، ففني في حجاب نوره وعظمته. فهو عبده «عبد الله» ورسوله. واستطاع الرسول محمد أن يصير أعلم الخلق بالله، حتى صار الله في الخلق. فصار تجلّي هذه المدينة الإلهية المثالية على الأرض، وكان الباب عليًا، في حين كان باطن الباب فاطمة.

وقد شرح الإمام أحمد الحسن ذلك بالتفصيل في كتاب التوحيد، وهو متوافق تمامًا مع حديث الرسول محمد حين قال:

«أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها؛ فمن طلب العلم فليأتِ من الباب.» المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 126

سور المدينة

نعود إلى سور المدينة الذي يحيط بحدودها، ذلك السور العظيم الذي أُقيم ليحدّد نطاقها ويفصلها عمّا هو خارجها. فكل ما في المدينة جزء منها، والسور نفسه جزء منها. إنه حجاب المدينة وحدّها؛ يحميها ويفصل سكانها عمّن يعيشون خارجها. ولهذا السور، كما قلنا، جانب خارجي وجانب داخلي.

من يقف خارجه لا يرى المدينة كما يراها من دخلها. فهو يرى السور أولًا، فيصير السور عنده الصورة الظاهرة للمدينة. أما من دخلها، فيرى الجانب الداخلي للسور، ويرى من خلاله ما لا يستطيع الواقفون في الخارج أن يروه.

من داخل المدينة، يكون السور جميلًا مزخرفًا مرحِّبًا. تنمو عليه النباتات، وتكسوه الألوان، ويبعث الطمأنينة والأمان في أهلها. أما من الخارج، فيبدو صارمًا خشنًا، محصّنًا، تبرز منه الرماح لصدّ الغزاة. وهكذا يكون ظاهره عذابًا لمن يقف خارجه معاديًا، في حين يكون باطنه رحمة لمن يعيش آمنًا في داخله. وهذا يعني أن الوجه الذي يواجه المعادين ليس هو الوجه نفسه الذي يواجه أهل الولاء والإيمان.

ولعل أوضح تصوير لهذا المعنى ما ورد في هذه الآية من القرآن:

﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [القرآن الكريم، سورة الحديد (57)، الآية 13]

تكاد هذه الآية تصف سور المدينة نفسه: باطنه رحمة، وظاهره عذاب. وليس المقصود أن الرحمة والعذاب أمران متناقضان في السور، بل هما تجلّيان للواحد، يظهران لكل إنسان بحسب موقعه ومقامه بالنسبة إليه.

وهذا ما نراه في قصص الأنبياء. فقد كان موسى هو الاسم الذي تعامل مباشرة مع بني إسرائيل وواجه فرعون. كان هو السور. فكان ظاهره، في مواجهة فرعون، قوةً وعذابًا؛ فمن وقف أمامه معاديًا لم يرَ إلا الآيات والعقوبات التي نزلت بفرعون وقومه. أما بنو إسرائيل، الذين دخلوا في طاعته وأقاموا الوصايا والشريعة، فقد رأوا الوجه الآخر للنفس ذاتها: رأوا الرحمة والرعاية والنجاة. فقد أخرجهم من فرعون، وفلق لهم البحر، وظلّلهم بالغمام، ورزقهم المنّ.

ثم جاء عيسى، فكان هو الاسم والسور الذي واجه الخلق. صنع المعجزات، وتكلّم بالحكمة، وأكمل الناموس، ودعا الناس إلى الله بما ظهر لهم من خلاله. فكان بذلك حجابًا بينهم وبين ما وراءه، وعلامةً تشير إلى المدينة التي لم يدخلوها بعد.

ثم جاء محمد، فكان السور الذي أحاط بالمدينة المنوّرة. جاء بالشريعة والأحكام، وأقام حدود الدين، وحمى المدينة من أعدائها، وصدّ كل من أراد اقتحامها أو تدميرها. ولذلك، حين قال محمد: «أنا مدينة العلم»، فإن المدينة ليست ما وراء السور فحسب، بل السور نفسه جزء منها. فمحمد هو الاسم، وهو السور والحجاب الذي يواجه العالم ويحمي المدينة المليئة بالعلم والكنوز والأسرار.

قد يقبل الإنسان ظاهر ما جاء به موسى، ويؤمن بما جاء به عيسى، ويتّبع شريعة محمد، ومع ذلك يبقى في داخله ظمأ لا يرويه ظاهر الدين وحده. فهو يريد أن يعرف أكثر. يريد أن يعرف موسى وعيسى ومحمدًا معرفة أعمق، وأن يعرف إله موسى وعيسى ومحمد معرفة أعمق، وأن يتجاوز ظاهر الاسم إلى الباطن والذات اللذين يتجاوزان الكمالات نفسها.

هؤلاء الناس لا يريدون هدم السور ولا التغلّب عليه بالقوة، بل يريدون الدخول إلى مركز المدينة. يريدون أن يعرفوا ما وراء الظاهر، وأن يبلغوا باطن المدينة وأسرارها.

لكن السور لا يمكن عبوره من أي مكان، والمدينة لا تفتح أبوابها لكل من يقف عند حدودها. فمن ذا الذي يأخذ بأيدي هؤلاء الناس من الحدود ويُدخلهم إلى قلب المدينة؟ ومن يقودهم من ظاهر السور إلى باطنه، ومن معرفة الاسم إلى معرفة المعنى؟

الباب

الباب هو ما يتيح لهؤلاء الناس الفرصة. وكما أشرنا، فإن باب المدينة جزء من سورها، يدخل منه طالبو الدخول إلى المدينة. ووظيفته ليست حماية سكان المدينة من الداخلين إليها، بل توفير عبور آمن لمن كانت نيّته حسنة.

وهكذا يصبح الباب الممرّ الذي يستطيع الإنسان من خلاله أن ينتقل من كونه خارج المدينة إلى أن يصبح من سكانها، ومن كونه شخصًا واقفًا في الخارج إلى أن يصبح مواطنًا من أهل المدينة. فهو يمنحه إمكانية الانتقال من رؤية الجانب الخارجي للسور إلى رؤية جانبه الداخلي، ومن رؤية المدينة من الخارج إلى دخولها.

وبعد تقديم الطلب عند الباب، يستطيع الناس أن يبلغوا الفهم الصحيح للدين، وأن ينالوا معرفة أعلى تتجاوز بهم الشريعة وأحكامها. فهي تأخذهم من الظاهر وتقودهم إلى الباطن. إنه صلة بين الخارج والداخل، وبين الظاهر والباطن. فالمقصود بالباب ليس بابًا إلى الاسم، بل بابًا إلى المعنى.

في زمن الرسول محمد، كان الباب في بعض الأوقات علي بن أبي طالب، وفي أوقات أخرى سلمان. وكذلك كان سمعان بطرس، لفترة من الزمن، باب عيسى، وكان يوشع بن نون باب موسى.

المعنى

المعنى هو ذات المدينة نفسها من الداخل. وهو أعمق مما عرفناه عن اسم المدينة، وهو اسم «الله». وهذه الذات ليس كمثلها شيء ولا يمكن وصفها، ولذلك يُشار إليها بـ«هو». ومع ذلك، فهي تتجلى أيضًا. فكما هو في السماء، هو كذلك في الأرض. ليس الله والأسماء الحسنى فقط. بل يتجلى بطريقة يستطيع الناس أن يفهموها ويبلغوها.

المعنى «هو» هو أعظم تجلٍّ للإله «الله» في الخلق يستطيع الناس أن يبلغوه، لكنهم لا يستطيعون بلوغه مباشرة، بل عليهم أن يمرّوا عبر «الباب». فكما يأخذ الباب الإنسان من الخارج إلى الداخل، فإنه كذلك يأخذه من الاسم إلى المعنى.

وحين يتجلى هذا المعنى، فإنه لا يظهر للناس في صورة فكرة مجرّدة أو علم مكتوب، بل في صورة إنسان آخر.

إنه يأتي في صورة التلميذ الأكمل، خليفة الاسم، الذي عاش حياته كلها يتلقى جميع تعاليم الرسول، الظاهرة منها والعرفانية، ويستوعبها حتى لم تعد تلك التعاليم بالنسبة إليه مجرد كلمات أو أحكام، بل صارت شيئًا يسري في كيانه ذاته. إنه يستوعب المعاني الحقيقية المخفية وراء الأفعال والتعاليم، ويفهمها كلها، حتى تتجلى فيه ويصير هو هذه المعاني. وهنا يتحوّل من مجرد تابع للرسالة إلى ذات الرسالة.

لا يحتاج إلى أن ينشر الرسالة نفسها التي نشرها الحجاب أو الاسم أو السور. فالرسالة الظاهرة صارت في متناول الجميع؛ يعرفها الجميع، وصارت واضحة محدّدة. بل صار دوره أن يمكّن الناس من بلوغ ما هو أعلى: ذلك الذي كان «السور» يعرفه لأنه كان جزءًا من المدينة، بل كان هو المدينة نفسها، لكنه لم يواجه الناس به.

المعنى في زمن موسى

كان موسى هو الذي بلّغ الوصايا والشريعة من الله إلى بني إسرائيل. وكان فتاه يوشع بن نون، الذي لازمه في كل الأوقات، يقوم على خدمته، وينفّذ ما يكلّفه به، ويتعلّم منه. ويجب ألا ننسى أنه تعلّم أيضًا من معلّم موسى، الخضر، العبد الصالح. لقد كان التلميذ المثالي، وكان بابًا لموسى مدةً من الزمن بعد وفاة هارون.

غير أنه ترقّى في درجات التجلّي من الباب إلى الذات والمعنى. كان موسى هو السور، وكان هو الذي عرّف بني إسرائيل بالأحكام والشريعة، أي بظاهر الرسالة. وبهذه الشريعة وظاهر الرسالة، تربّت أجيال من بني إسرائيل في البرية وتهذّبت. أما يوشع بن نون فقد كُلِّف بتحقيق غاية رسالة موسى الظاهرة: إعداد مملكة الله والتمهيد لها، بالقوة والعلم، مع جيل مؤهَّل من بني إسرائيل. وكان يملك العلم والأسرار التي استطاع بها إنجاز ذلك. أن يقود الجيل الجديد من إسرائيل من البرية إلى أرض الميعاد.

المعنى في زمن عيسى

في زمن عيسى، كان المعنى سمعان بطرس. كان عيسى يقول إنه يتكلّم بالأمثال، وإن ظاهر كلامه لا يمثّل الرسالة كلها. فقد كانت هناك جواهر ومعانٍ خفية لم يكشفها إلا للمقرّبين منه. ولدينا بعض الأمثلة على ذلك في الإنجيل، ومنها حادثة التجلّي، حيث كان سمعان بطرس حاضرًا، وكان مطّلعًا على كثير من علم عيسى الباطني. وقد تعلّم منه أسرارًا وأمورًا كثيرة لم يتعلّمها عامة الناس. ولذلك، من الطبيعي أن تكون رسالة سمعان بطرس مختلفة عن رسالة عيسى.

عيسى مشهور جدًا في جميع أنحاء العالم. فقد جاء برسالة معيّنة وبلّغها. أما سمعان بطرس، الذي جاء بعده، فقليلون جدًا هم الذين يعرفون عنه الكثير أو اتّبعوا شروحه وتعاليمه. بل إن المصادر التي وصلتنا لا تتضمن الكثير عنه؛ بل إن جزءًا كبيرًا من العهد الجديد من الكتاب المقدس لم يكتبه سمعان بطرس.

المعنى في زمن النبي محمد

في زمن النبي محمد، كان المعنى عليًا. فقد كان الباب في مرحلة ما، لكنه ترقّى ليصبح المعنى. وقد ظهر ذلك جليًا في بيعة غدير خم، حين نصّب النبي محمد الإمامَ عليًا «وليًّا». والولاية هي ذات رسالة النبي محمد وباطنها.

لم تكن هناك حاجة إلى أن يخرج علي بن أبي طالب ويكرّر على الأمة الإسلامية كل ما جاء به محمد من الظاهر. ولم تكن وظيفته أن يعلّم الناس أن هناك شيئًا يُسمّى القرآن، أو أن يعلّمهم الوضوء والصلاة والصيام والزكاة والصدقة والحج. فكل هذه الأعمال الظاهرة تنتمي إلى الجزء الخارجي من السور، أي إلى الاسم. تلك كانت وظيفة الاسم ودوره.

أما ما يمكن بلوغه من خلال علي بن أبي طالب، فهو المعنى الباطن المخفي وراء هذه العبادات، فضلًا عن علوم وأسرار أخرى.

نظام الثالوث

وهكذا، فإن التجلّي في الوعاء الإنساني هو حضور الله في الخلق في ثلاث مراتب تعمل معًا كنظام واحد.

الأولى هي الاسم الظاهر، الذي يواجه الناس ويصل إليهم.

الثانية هي الذات والمعنى المخفيّان وراء هذا الظاهر.

الثالثة هي الصلة بينهما، التي تأخذ المؤمن من الظاهر إلى الباطن، ومن الجليّ إلى الخفيّ: الباب.

هذه الأدوار ليست ثابتة بالضرورة في شخص واحد في كل الأوقات. فقد يؤدي الشخص أكثر من دور في أوقات مختلفة، وهذا لا يؤثر في النظام بأي حال. فالذي يتغيّر هو الأدوار والأشخاص، في حين يبقى النظام كما هو. وجميعهم من نور واحد يقسم نفسه ليؤدي مهامّ محدّدة، يخدم كل منهم الآخر ويهدي الناس إلى المعرفة وإلى الغاية من خلقهم: أن يصيروا مثل الله، لكي لا يكونوا عبيدًا، بل أحرارًا.

من عرف الاسم فقد بدأ الرحلة. ومن دخل من الباب فقد تجاوز الظاهر. ومن بلغ المعنى فقد عرف الحقيقة.

اقرأ أيضًا

المقالات
الدين

مقال رأي: اجتياز هذا الامتحان الواحد سيوقف كل معاناة على الأرض

«إن كان الله موجودًا، وإن كان إلهًا خيّرًا، فلماذا يوجد كل هذا القدر من المعاناة في العالم؟» يكاد كل إنسان أن يكون قد صادف هذا السؤال في مرحلة ما من حياته. والجواب أبسط مما قد يبدو.

الدين

عامٌ على المعجزة التي هزّت العالم

سافرت مجموعة من المؤمنين به إلى الفاتيكان واجتمعوا في ساحة القديس بطرس. وبينما كان البابا فرنسيس يلقي خطاب عيد الفصح، أعلنوا أن أبا الصادق هو البابا الحق المعيَّن من الله، وأن البابا فرنسيس بابا زائف، رافعين راية المهدي السوداء الموعودة في النبوءات، وعليها عبارة: «البيعة لله». وقد كان لما قام به المؤمنون، بدافع إيمانهم، آثارٌ متلاحقة بعيدة المدى لم يتوقعها أحد.

الدين

الثالوث المقدس: التجلّي الإلهي في الخلق

يتجلّى الله في الخلق من خلال بنية ثلاثية، يُشار إليها غالبًا بثالوث التجلّي: المعنى، والاسم، والباب. فالمعنى يمثّل الحقيقة الإلهية الخفية، والاسم هو هويّتها المعبَّر عنها في الخلق (كالنبي أو الإمام)، والباب هو المدخل الذي يصل الناس من خلاله إلى الاسم ويعرفونه.