الفلسفةوقت القراءة بالدقائق: 13

الأنبياء المجهولون: أفلوطين

يُقرأ النص بالعربية

اقرأ المقال الأصلي على The Divine Just State

ترجمة عربية أعدّها المساعد الآلي عن النص الإنجليزي الأصلي، ولم يراجعها مترجم بشري. الاقتباسات (الأحاديث، الكتاب المقدس، الكتب، الأقوال) مترجمة عن صيغتها الإنجليزية، وليست نصوصها العربية الأصلية؛ أما ما بين ﴿ ﴾ فهو نص القرآن الكريم.

أفلوطين، الذي يحتفي به التاريخ فيلسوفًا، كان في الحقيقة أكثر من مجرد مفكّر - لقد كان نبيًّا من أنبياء الله.

بقلم James Pollard · ترجمة عربية عن الأصل الإنجليزي

مكتبتي

على مرّ التاريخ وفي أرجاء الأرض، أرسل الله أكثر من 124,000 نبي ورسول لهداية البشرية إلى الطريقة الصحيحة في العيش وإقامة دولة العدل الإلهي.

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾القرآن الكريم، سورة غافر، الآية 78

ويبدو من كتب النبوءات أن هؤلاء الأنبياء المجهولين يؤدّون دورًا محوريًّا في الأحداث المتكشّفة لسيناريو آخر الزمان. ففي سفر الرؤيا 14: 1 جاء:

«ثم نظرت، وإذا الحمل واقف على جبل صهيون، ومعه 144,000 لهم اسمه واسم أبيه مكتوبًا على جباههم.»الكتاب المقدس، سفر الرؤيا، الإصحاح 14، الآية 1

على مرّ التاريخ، كان هناك رجال كثيرون أثّروا بكتاباتهم أو أعمالهم في طريقة تطوّر الحضارة البشرية. وتعاليمهم تشبه شبهًا مذهلًا تعاليم الأنبياء المعروفين عمومًا مثل موسى وعيسى وداود وغيرهم. ولكن لأن التاريخ قد حُرّف تحريفًا شديدًا، ولأن بعضهم لم يستطع أن يتكلّم بحرية عمّا كان يؤمن به حقًّا، فهم لا يُعرفون اليوم أنبياءَ، بل علماءَ أو فنانين أو محاربين أو فلاسفة.

ومن هؤلاء الرسل المجهولين الفيلسوف الأفلاطوني اليوناني أفلوطين، الذي عاش نحو سنة 250 للميلاد.

بحث أفلوطين عن مرشد إلهي

سافر أفلوطين، وهو رجل عميق الروحانية، إلى الإسكندرية في مصر بحثًا عن معلّم مستنير ذي حكمة إلهية. بل قاده سعيه إلى المعرفة إلى الانضمام إلى حملات عسكرية متّجهة شرقًا ليتعلّم من المتصوّفة الهنود والفرس. وفي النهاية، قاده عزمه واستعداده للتضحية بكل شيء في سبيل الحكمة إلى الفيلسوف الأفلاطوني أمونيوس ساكاس وهو في السابعة والعشرين من عمره (27 سنة). وكان عزم أفلوطين صدى لقوة إرادة موسى في رحلته للوصول إلى أعلم أهل زمانه:

﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾القرآن الكريم، سورة الكهف، الآية 60

لم يطلب أفلوطين حياة مادية، بل رفض الحديث عن خلفيته العائلية، على الأقل في الأوساط العامة. ولذلك لا يُعرف عن قصة حياته إلا القليل جدًّا. وكان معلّمه أمونيوس يتلقّى الإلهامات والرؤى والمنامات، وقد حظي بأن يسمّيه هيريكوليس (Hericoles) «ثيوديداكتوس» (Theodidaktos)، أي «المعلَّم إلهيًّا». ومن حسن بصيرة أفلوطين أنه كرّس نفسه لاتّباع أمونيوس، الذي كانت فلسفته الكونية تقوم على ممارسة الحق بكل السبل، لا مجرد دراسته في النصوص القديمة. ولا توجد اليوم نصوص مكتوبة واضحة لأمونيوس ساكاس، لكن معاصريه ذكروا أنه كان يشرح المفهوم العميق لوحدة الوجود، مقرّرًا وجود «الواحد»، وهو مبدأ متعالٍ يفوق الوصف تفيض منه كل الحقيقة.

وكوّن أمونيوس، كغيره من المرشدين الملهَمين إلهيًّا، حلقة داخلية من التلاميذ المقرّبين، منهم أوريجانوس وأفلوطين مؤسّسًا مدرسة أسرار باطنية سرّية مقرّها الإسكندرية. وظلّ أفلوطين تلميذًا مقرّبًا مدة 11 سنة على الأقل حتى وفاة معلّمه.

وحين بلغ أمونيوس الشيخوخة، سلّم زمام الخلافة إلى أفلوطين، أبرز تلاميذه، الذي صار يحمل المسؤولية الهائلة لإرشاد محبّي الحق والحكمة بوصفه ملكًا فيلسوفًا. وبعد 11 سنة من الدراسة على يد أمونيوس، أسّس أفلوطين مدرسته الخاصة في روما، وسمّى تلاميذه «الفيلاليثيين» (Philaletheans)، أي «أصدقاء الحق». وجمع تلميذه فرفوريوس أشهر كتابات أفلوطين في كتابه المسمّى «التاسوعات».

أفلوطين عن الله وبلوغ الاتحاد به

كتب أفلوطين رسالة في وحدانية الله في آخر «التاسوعات»، مؤكّدًا أن «الواحد» المطلق هو العلّة الأولى، فوق العقل والصور، يتعالى على المخلوقات جلالًا وقدرة، ويتجاوز إدراكنا وفهمنا المحدودين.

«الواحد هو كل الأشياء وليس واحدًا منها؛ فمصدر كل الأشياء ليس هو كل الأشياء؛ وكل الأشياء ملك له - راجعة إليه، إن صحّ التعبير - أو بالأحرى، لم تصبح كذلك بعد، لكنها ستكون.»التاسوعات، أفلوطين

ويؤكّد أفلوطين أن الوحدة هي أساس الوجود، وأنه في حين يمكن للأشياء المادية كالجيوش أن تبلغ الوحدة بالجهد، فإن الأشياء الطبيعية كأزهار عبّاد الشمس تعكس الوحدة بطبيعتها بالتوجّه نحو الشمس. فالجيوش تحتاج إلى تركيز موحّد لتؤدّي عملها بفعالية؛ وإلا فهي مجرد قوات مسرّحة أو مخازن سلاح. وتسعى الجيوش إلى وحدة كاملة، لكن هذه الوحدة ليست فطرية؛ بل تتطلب تدريبًا وتفانيًا يفرضهما عليها القادة، تمامًا كالبنّائين الذين يشيّدون المباني بتوجيه من رئيس العمّال. أما زهرة عبّاد الشمس، في صلتها البسيطة بالحياة والطبيعة، فتُعدّ أكثر «حقيقية» من الجيش لأنها تمثّل شكلًا أعمق من الوحدة.

وقد أوضح أفلوطين النظام الضمني للخلق:

«الكون حياة منظّمة، فعّالة، مركّبة، شاملة لكل شيء، تُظهر حكمة لا يُسبر غورها.»التاسوعات، أفلوطين

ورأى أفلوطين أن الصحة والجمال انعكاسان للوحدة والنظام التعاوني، في مقابل الصراع والمقاومة. وينطبق الأمر نفسه على النفس البشرية: فأجزاؤها، حين تكون في انسجام فاضل، تُخضع الجانب العقلاني فينا، محاكيةً الكون المنظّم تنظيمًا حسنًا. وتمتلك النفس عزمًا لا يموت على طلب مصدر الوحدة والخير والانسجام والنظام. والنتيجة التي لا مفرّ منها هي أن كل ما عدا ذلك يصدر عن «الواحد» و«الخير» - المبدأ الإلهي للوحدة - ويسعى إلى العودة إليه.

وهذا يتوافق بوضوح مع الدين التوحيدي العالمي، ولا سيما الإسلام:

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾القرآن الكريم، سورة الإخلاص

ويقدّم أفلوطين استكشافًا عمليًّا للقوانين الكونية، مرشدًا القارئ في حلّ المشكلات الفلسفية. وتُظهر تعاليمه أن كل شيء يعود إلى الوحدانية، إلى المبدأ الأول.

ويكشف أفلوطين أنه بلغ في حياته أربع مرات الاتحاد الصوفي بالله، مشيرًا إلى تجربة تذوب فيها الذات، لا بالكلمات ولا بالفكر، بل بالوحدة الخالصة.

«لم يكونا اثنين؛ كان الرائي واحدًا مع المرئي؛ لم تكن رؤية مُحاطًا بها، بل وحدة مُدرَكة. والإنسان الذي تشكّل بهذا الامتزاج بالأسمى لا بدّ - إن هو تذكّر فحسب - أن يحمل صورته منطبعة فيه: لقد صار هو الوحدة، فلا شيء في داخله ولا خارجه يُحدث أي تعدّد؛ لا حركة الآن، ولا انفعال، ولا رغبة متطلّعة إلى الخارج، متى تحقّق هذا الصعود؛ والتفكير معلَّق، وكل تعقّل، بل - إن جرؤنا على الكلمة - الذات نفسها؛ مأخوذًا، ممتلئًا بالله، قد بلغ في سكون تام العزلة؛ وقد سكن الكيان كله، فلا يلتفت إلى هذا الجانب ولا إلى ذاك، ولا حتى إلى داخل نفسه؛ وفي راحة تامة صار هو الراحة عينها. لم يعد ينتمي إلى مرتبة الجميل؛ لقد ارتفع فوق الجمال؛ بل تجاوز حتى جوقة الفضائل؛ إنه كمن نفذ إلى قدس الأقداس، فترك صور الهيكل وراءه.»التاسوعات، أفلوطين

وهذا يحاكي رحلة الإسراء للنبي محمد حين بلغ الأفق الأعلى، متردّدًا بين الوجود والعدم، فكان ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾.

﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾القرآن الكريم، سورة النجم، الآيات 6-12

أفلوطين عن الصراع بين النفس والذات

«إن نفس كل واحد منا مُرسَلة لكي يكتمل الكون.»التاسوعات، أفلوطين

يصف أفلوطين الاستيقاظ من الجسد إلى الذات، وإدراك المرء أنه ينتمي إلى عالم أعلى، هو عالم العقل أو ما سمّاه «عالم الصور». وبالاتصال بهذا العالم، يمكن للمرء أن يصير متّحدًا بالإلهي عن طريق التأمل. وعلى العكس من ذلك، فإن العالم المادي عالم أدنى، خاضع للتغيّر والفساد.

ويؤكّد أفلوطين أن نفسنا في خطر من الشهوات الجسدية، في حين أن ذاتنا الحقيقية على اتصال بالعقل والصور. وهو يقوم بدور الفيلسوف الإلهي، مذكّرًا إيانا بأننا لا نحتاج إلا إلى النظر في داخل أنفسنا لنجد ما لم نفقده حقًّا قط. وهذا يحاكي تعاليم الإمام علي، الذي أعلن أننا نستطيع اكتشاف الصور الكلية بالتوجّه إلى الداخل. فنفوسنا على اتصال دائم بعالم العقل والصور الأعلى، إذ شهدت جمال الحقائق العليا قبل أن تتجسّد. غير أننا حين نكون محبوسين في عالم الجسد الحسّي، كثيرًا ما ننسى ذلك ونتماهى مع المشاهد والأصوات العابرة التي تنهال على وعينا.

فالجسد يعمل كمشكال حسّي، يغري النفس بالتركيز على الملذّات المؤقتة. ويعلّم أفلوطين أنه بدلًا من السعي وراء هذه الشهوات العابرة، ينبغي أن ننمّي التفاؤل ونستخدم عقلنا للبحث عن آثار حقائق أعمق في داخلنا. فمثل شخصيات «ساحر أوز» - الفزّاعة التي تبحث عن عقل، والرجل الصفيح الذي لا يدري برحمته، والأسد الجبان الذي لا يدري بشجاعته - نحن نمتلك بالفعل السمات التي نبحث عنها. وإنما تبرز هذه الصفات بالإيمان واليقين والظروف المناسبة. وأفلوطين، كالساحر الإلهي، يذكّرنا بأن هذه السمات كانت في داخلنا طوال الوقت.

فالنفس، بحسب أفلوطين، لا جسمانية، في حين اعتقد آخرون، كالرواقيين، أن النفوس أشياء مادية. ويشدّد على أهمية استخدام الجزء العقلاني من حكمنا، وهو الحكمة الحقيقية، للارتفاع فوق مجرد التجارب الحسية. فبالتركيز على العقل ومعرفة أنفسنا، نستطيع أن نكامل كياننا ونوحّده. وكما يحثّنا الأمر الدلفي: «اعرف نفسك». ولا ينبغي أن نلهث وراء الملذّات الجسدية أو الكماليات، فلا قيمة حقيقية لها. بل ينبغي أن ننخرط في أنشطة تجعل النفس محورًا، فتتيح لنا اكتساب البصيرة والحكمة، مع أن نفسنا محدودة القدرة مقارنةً بالعقل، الذي يدرك كل المعرفة دفعة واحدة.

فمن غلب عقلُه شهوتَه لحق بالملائكة، ومن غلبت شهوتُه عقلَه انحدر إلى مرتبة الحيوانات.

يكتب أفلوطين:

«إن الإنسان واقف في منتصف الطريق بين الآلهة والبهائم.»التاسوعات، أفلوطين

وهذا يتوافق مع التعاليم الإسلامية. فقد قال علي بن أبي طالب:

«إن الله تعالى أعطى الملائكة عقلًا بلا شهوات، وأعطى الحيوانات شهوات بلا عقل، وأعطى البشر كليهما. فمن غلب عقلُه شهوتَه فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوتُه عقلَه فهو شرّ من الحيوانات.»

حين يدخل النور الإلهي النفس، فإنها تستجمع قوتها، وتبسط جناحيها، وترتقي نحو شيء أعظم. ويشبّه أفلوطين هذه العملية بنحّات ينحت تمثالًا فيكشف جماله. ومع ذلك، فالبشر بطبيعتهم كثيرو النسيان سريعو الانشغال، يعرضون عن العقل متّجهين إلى الشهوات الجسدية، فيفقدون كرامتهم في أثناء ذلك.

«عُد إلى داخل نفسك وانظر: فإن لم تكن ترى نفسك جميلًا بعد، فافعل ما يفعله النحّات بتمثال يريد أن يجعله جميلًا؛ فهو ينحت جزءًا ويسوّي آخر، ويصقل موضعًا ويجلو آخر، حتى يُظهر وجهًا جميلًا على التمثال.»التاسوعات، أفلوطين

وهذا المفهوم، أي مخالفة المرء لشهواته والعمل على أن يصير نسخة أفضل من نفسه، نجده في جميع الأديان العالمية الكبرى.

ويوضّح أفلوطين أن النفس تمارس نشاطين داخليًّا وخارجيًّا، تمامًا كالنار التي تتّقد في داخلها وتبعث الحرارة إلى خارجها. وكذلك تتأمّل النفس الصور في داخلها، وتمنحها للأشياء المادية في الخارج، وإن كان ذلك في صورة أضعف. وترتبط فكرة النشاط الداخلي والخارجي هذه ارتباطًا وثيقًا بمفهومَي الفيض والرجوع في الأفلاطونية المحدثة. فكل نشاط ينتج أثرًا، وكل شيء يرجع إلى علّته، إلا «الواحد» الذي لا علّة له. ومن الواضح أن النفس والجسد عند أفلوطين متمايزان، ومن عالمين مختلفين من عوالم الوجود.

«لا يلزم من استخدام النفس للجسد أداةً أن تشارك النفس الجسدَ تجاربه: فالإنسان لا يشعر هو نفسه بكل ما تتعرّض له الأدوات التي يعمل بها.»التاسوعات، أفلوطين

وكشف أفلوطين كيف منح الله، بحكمته، البشر إرادة حرة ليختاروا أن يكونوا سادة أنفسهم، وألا يسمحوا لقوى خارجية بأن تسوقهم عن طريق الشهوات الجسدية الخارجة عن نفوسهم. ولكلا هذين الجانبين مطالب متنافسة، ولا إكراه علينا في أن نعمل وفق أيٍّ من المبدأين. فالله يمنحنا القدرة على أن نفعل ما نشاء بلا عائق ولا إكراه؛ وإلا لأمكننا أن ندّعي أنه لم يكن لنا خيار، وأن ننكر مسؤوليتنا عن أفعالنا. وإذا ركّزنا على النفس، أمكننا أن نحقّق تقدّمًا كبيرًا بالتركيز على ما يسمّيه «النور» (Nour) (العقل). وقد حذّرنا أفلوطين من عواقب الانحدار:

«الهوية نوع من الحسّ المباشر (synesis) ووعي الذات (synaisthēsis)، الذي يجب عليه هو نفسه أن يحرص أشدّ الحرص على ألا يبتعد عن ذاته برغبته في أن يحسّ أكثر مما ينبغي.»التاسوعات، أفلوطين

يجب أن يكون وعينا بالله منفتحًا ليتيح لنا أن نكون قنوات لـ«الأصوات القادمة من فوق» (Enn. V.1.[10].12.12–20). وبذلك نصبح أقدر على التماهي مع مصدر الفردية، وعلى إذابة الفرد في «النور» (العقل) الكلّي. وهذا جزء من الرحلة التطهيرية - مسار يقظة الوعي للنفس المنفصلة، أو رحلة الإسراء، أو تردّد الأنا بين الوجود والعدم الذي تحدّث عنه محمد.

وفي هذه العملية، تنظر النفس إلى العقل، وينظر العقل إلى «الواحد». وكما يقول عيسى إنه بدون الآب لا يستطيع أن يفعل شيئًا، فإنه يؤكّد أيضًا أن أحدًا لا يستطيع الوصول إلى الإلهي إلا من خلال انعكاسه. وكما يقول عيسى، الذي يمثّل العقل: «أنا هو الطريق والحق والحياة»، فإن على النفس أن تجاهد الشهوات الجسدية وأن تثق بالنعمة الإلهية. ويقدّم أفلوطين البصيرة القائلة إن النفس، بهذا الجهاد، قد تتّحد من جديد بجوهر الحق، فتحقّق غايتها وتعود إلى مصدرها.

أفلوطين عن الشر والعدالة الكارمية

لا يزال هناك الكثير مما ينبغي التأمّل فيه. فإذا كان الله كاملًا، قادرًا على كل شيء، عليمًا بكل شيء، فمن المؤكد أن الشر لن يفوت علمه، ومع ذلك نرى الكثير من الشر يتخلّل الخلق. وهذا يمثّل تحدّيًا صلبًا لفكرة الإله الخيّر. فهل يتسامح الله مع وجود الشر؟ إذا أراد الله أن يمنحنا إرادة حرة، فقد يكون الشر نتيجة لذلك، مما يبيّن أن الله يمنحنا الاختيار. وقد يسمح الله بوجود الشر، إذ إن هذه مسألة ميتافيزيقية. وكان أفلوطين يعتقد أن كل الأشياء تصدر عن مبدأ أول، هو «الواحد» أو «الخير» - فكيف إذن يأتي الشر منه؟ وكيف يمكن لأي شيء سيّئ أن يصدر عن علل خيّرة؟

«وهكذا فإن رجلًا كان حاكمًا يومًا سيُجعل عبدًا لأنه أساء استعمال سلطته، ولأن السقوط فيه خير لمستقبله. ومن كان لهم مال سيُجعلون فقراء - والفقر ليس عائقًا للصالحين. ومن قتلوا ظلمًا يُقتلون بدورهم، ظلمًا بالنسبة إلى القاتل، لكن عدلًا بالنسبة إلى الضحية، ومن كُتب عليهم أن يعانوا يُلقَون في طريق من يُنزلون بهم المعاملة التي يستحقّونها.»التاسوعات، أفلوطين

نحن البشر كثيرًا ما نجد صعوبة في التعلّم من تجارب الآخرين وحدها؛ فعادةً ما ندرك، من خلال المعاناة والكفاح، أننا لا نريد أن نُنزل ذلك الألم بالآخرين. وبتنمية مزيد من التعاطف، نسعى إلى استئصال مثل هذه الهموم من مجتمعاتنا. وقد كشف أفلوطين أهمية قانون الكارما الذي يتحقّق عن طريق تناسخ الأرواح، مقرّرًا أن أمورًا كالفقر والمرض تقع عقوبات على ذنوب في حياة سابقة.

لقد منحنا الله القدرة على التمييز بين الخير والشر، كما أبرز أفلوطين. وهذه الحياة المؤقتة ميدان اختبار، تقف وراءه حكمة إلهية وعدالة تتجاوزان إدراكنا المحدود. والإنسان الحقيقي يتعالى على العالم المادي بالنفس الخالدة، ولنا الحرية في أن ننحاز إلى العقل وإلى الرسالة الإلهية. غير أننا نخاطر بأن نصير عبيدًا للملذّات والأفعال الجسدية إن سمحنا بذلك. والشر، بهذا المعنى، نقص أو غياب للخير، شيء ليس كاملًا كما ينبغي أن يكون، وعلينا أن نعمل على تطهير أنفسنا. وكان أفلوطين يرى الشر فجوات في الخير العام، تمامًا كالثقوب في الجبن السويسري.

إن صورة الصور ناقصة في العالم المادي، حيث تفرض المادة تحدّيات لا توجد في العوالم العليا. فهنا تخضع الكائنات للمكان والزمان والتغيّر، مما يجعلها تسقط عن الكمال. ويجب على الأشياء المادية أن تسعى إلى الفضيلة، لكن المادة تقاوم، إذ ترتبط بالسوء واللاوجود. والأجساد محاكيات ضعيفة للصور، كالانعكاسات في المرآة، جميلة لكنها مقيّدة بالنقص، تمامًا كجثة مزيّنة. والمادة هي مبدأ الشر، وهي تفسّر المرض والتشوّه والضعف الأخلاقي، لأنها تغذّي الشهوات الأنانية وتجذبنا بعيدًا عن العقل.

لم يكن أفلوطين منصرفًا إلى الانعكاسات الإلهية فحسب؛ بل كان مهتمًّا اهتمامًا عميقًا بإقامة «دولة مثالية»، ولا سيما للمظلومين والنساء والأيتام، يسود فيها العدل الحقيقي. وقد اقترح في النهاية على صاحبه، الإمبراطور غالينوس، إعادة بناء «مدينة الفلاسفة» المهدّمة في كامبانيا لإنشاء مجتمع قائم على قوانين أفلاطون. غير أن الخطة أحبطها مجلس الشيوخ الروماني النخبوي الساعي إلى مصالحه، الذي عارض هذه الفكرة لأنها كانت تهدّد الوضع القائم الذي يمجّد فيه نفسه.

وهذا يحاكي البيان الإلهي لأبا الصادق، الذي يجتهد في سعيه لإقامة ملكوت السماء على الأرض، ساعيًا إلى تحقيق العدل الحقيقي والانسجام للناس. ورغم تركيز أفلوطين على العقل الإلهي، فقد ظلّ متجذّرًا في التواضع بفضل محبته للمهملين والضائعين، ولا سيما الأيتام، وطموحه الحكيم إلى إقامة دولة يستطيع الناس أن يزدهروا فيها في مجتمع عادل.

«الخلق عيال الله؛ وأحبّ عياله إليه أكثرهم رفقًا بخلقه.»جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي، ج 16، ص 177

وقد جسّد أفلوطين هذا الشعار، مبيّنًا كيف يرفع الله المتواضعين إلى أعالي المراتب ويضع المتكبّرين. وتماشيًا مع تعاليم أبا الصادق في «غاية الحكيم»، نرى كيف أن محبة الله للبشرية كمحبة الوالد، وإن كانت أعمق بكثير. ومع أننا لا يمكن أن نكون أفضل من الله، فإنه يريد لنا أن نسعى إلى الكمال في الطبيعة مثله. والنمو الحقيقي يأتي من تجربة مسؤولية الخلق. وقد شارك أفلوطين في هذه الرسالة بالعمل العملي على بناء مجتمع يستطيع فيه كل فرد أن ينال التعليم والسكن وفرص العمل.

ومع أن أفلوطين أقرّ بقيمة الأعمال الصالحة، فقد أدرك أنها بلا هداية إلهية أعمال لا ثمرة لها. فمثلًا، إن مساعدة دار للأيتام في ظل دكتاتورية يقوم زعيمها لاحقًا باضطهاد العاجزين أمر لا طائل منه. فالعدل الحقيقي والانسجام يأتيان من الأعمال الملهَمة إلهيًّا.

وتماشيًا مع التعاليم الشرقية لكريشنا، كان أفلوطين يلاحظ أن النفوس الصفوة التي بلغت مراتب عالية من إنكار الذات والاتحاد بالعقل تُصطفى للخروج من دورة الولادة من جديد ومن حالة التبدّل. وكما كشف أبا الصادق في «غاية الحكيم»، فإن الإنسان، بعد مروره بأجساد وتجسّدات كثيرة في هذا العالم المادي، يستطيع بالتماهي مع النفوس العليا أن يرتقي في المرتبة وفي القرب من المبدأ الإلهي.

ومن تعاليم أفلوطين، نرى رجلًا مجاهدًا طاهرًا، يطلب العقل الإلهي مع بقائه متجذّرًا في التواضع بفضل محبته للمهملين والأيتام الضائعين في هذا العالم.

لقد تطلّع أفلوطين، في رحلته الروحية الخاصة، إلى الاقتداء بالنبي محمد، الذي رفعه الله في رحلة الإسراء ليرعى الخلق كله. وأفلوطين، بوصفه منارة نور، علّم البشرية أن تطلب هذا الطريق الإلهي، مهما كانت المحن، وأن تثابر رغم العثرات. وكانت رسالته واضحة: يجب أن نعرض عن الملذّات الأرضية ونركّز على العقل الإلهي، على الله.

«لا نجرؤ على أن نبقي أنفسنا متّجهين إلى صور الحسّ، أو إلى ما هو نباتيّ محض، منصرفين إلى ملذّات الأكل والتناسل؛ بل يجب أن تكون حياتنا موجّهة نحو العقل الإلهي، نحو الله.»التاسوعات، أفلوطين

وبهداية أبا الصادق، صار كثيرون اليوم يعرفون أفلوطين وغيره من محبّي الحكمة الملهَمين من الله. ورغم سعيه إلى الحكمة الإلهية، كان هدف أفلوطين الأساسي للبشرية أن يعيد النظام، ويزيل الظلم، ويحقّق مشيئة الله، ولو على حساب نفسه. وقد وضع هذا التفاني أفلوطين بين النفوس الطاهرة الـ313، التي عادت اليوم لتنصر القائم في تحقيق دولة العدل الإلهي لله على الأرض.