التاريخ الطويل للأخبار الكاذبة
يُقرأ النص بالعربية
اقرأ المقال الأصلي على The Divine Just State
ترجمة عربية أعدّها المساعد الآلي عن النص الإنجليزي الأصلي، ولم يراجعها مترجم بشري. الاقتباسات (الأحاديث، الكتاب المقدس، الكتب، الأقوال) مترجمة عن صيغتها الإنجليزية، وليست نصوصها العربية الأصلية؛ أما ما بين ﴿ ﴾ فهو نص القرآن الكريم.
أصبح الإنترنت اليوم أحد أسلحة أبي الأكاذيب وأدواته، يحرّف الحقيقة ويلوي الدين. وقد تركت الأخبار الكاذبة العالم في حيرة، لا يدري بمن أو بماذا يثق.
بقلم Joseph Dean McGowen · ترجمة عربية عن الأصل الإنجليزي

من حكايات مثل «الصبي الذي صاح: الذئب!» إلى حكاية الرجل الذي صرخ: «النجدة! أسدٌ يهاجم غنمي»، نشأ معظمنا، من الشرق إلى الغرب، وهو يسمع عن العواقب الوخيمة للكذب. وقد حُذّرنا أيضًا في الكتب المقدسة، كما في سفر اللاويين 19: 11: «لا تكذبوا. لا يخدع بعضكم بعضًا.» ولكن في آخر الزمان، ستكون الغلبة للأكاذيب والباطل والخداع.
أصبح الإنترنت اليوم أحد أسلحة أبي الأكاذيب وأدواته، يحرّف الحقيقة ويلوي الدين. وقد تركت الأخبار الكاذبة العالم في حيرة، لا يدري بمن أو بماذا يثق. أنا متأكد أنك وجدت نفسك أحيانًا تتصفح تيك توك أو يوتيوب أو تويتر أو غيرها من منصات التواصل الاجتماعي، متسائلًا إن كان مقطع فيديو أو عنوان مثير للفضول أو صادم صادفته صحيحًا أم لا. وربما شاركته مع أصدقائك أو عائلتك أو على منصاتك الاجتماعية، لتجد نفسك محرجًا حين اكتشفت بعد ساعات أو أيام أنه خبر كاذب أو أنه مُعدَّل بالذكاء الاصطناعي. بل حتى وأنت تقرأ هذا الآن، قد تتساءل إن كانت هذه كلماتي حقًا أم من عمل ChatGPT أو تطبيق آخر للذكاء الاصطناعي. من يستطيع أن يميّز في هذه الأيام؟
إذا أردنا تعريف الأخبار الكاذبة، فهي ببساطة تعني التضليل أو المعلومات المغلوطة المقدَّمة على أنها أخبار، حيث يُقدَّم الباطل على أنه حق من قِبل ما يُسمّى «المصادر الموثوقة». والغاية بسيطة... خداع القرّاء وتضليلهم ليصدّقوا أي أجندة يطرحها صانع الكذبة. وقد يأتي ذلك في صورة قصص ملفّقة أو مقالات غير أخلاقية أو تقارير لا أساس لها من الواقع.

إن «طُعم النقرات»، أي العناوين المضلِّلة التي يُقصد بها تهويل محتوى مقال أو فيديو أو المبالغة فيه، ممارسة شائعة في ثقافة اليوم. كما يتلاعب صانعو المحتوى بالمحتوى، ويعدّلون مقالات إخبارية حقيقية، ويقتطعون الكلام عمدًا من سياقه لتشويه الحقيقة. وقد شهدت السخرية والمحاكاة الساخرة تطورًا، إذ تُستخدم أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء «الميمات» أو تعديل الصور ومقاطع الفيديو بقصد التشهير بالأفراد أو إذلالهم. ويبالغ الناس أيضًا في تصوير الكوارث الطبيعية باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي. وأنا متأكد أن كثيرين منكم صادفوا في وقت ما «مشاهدة لجسم طائر مجهول» أو «ظاهرة سماوية» معدّلة بالذكاء الاصطناعي، صادمة في البداية، إلى أن يلكزك صديقك قائلًا: «هيا، هذا فيديو مزيف.»
وكما أن «الزمن يتسارع» في زمن المهدي، فإن الأخبار الكاذبة تنتشر أيضًا بسرعة، ولا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي. ويمكن أن يكون لنشر المعلومات المغلوطة اليوم عواقب كبيرة على الرأي العام؛ إذ يشكّل الخطاب السياسي والديني، ويقوّض الثقة في مصادر الأخبار المشروعة، وفي نهاية المطاف الثقة في كل من ينشر محتوى على الإنترنت. ففي عالم اليوم، يمكن لأي شخص أن يكون «مؤثرًا» أو «خبيرًا» أو «صحفيًا» على الإنترنت. والأمر الأكثر إثارة للقلق أن الأكاذيب وبرامج الذكاء الاصطناعي تزداد تطورًا يومًا بعد يوم، ويصبح التمييز بين الحق والباطل أصعب فأصعب.
ومع أن الإنترنت هو الأسوأ في ما يخص «الأخبار الكاذبة»، فقد ساعد على كشف تهديد آخر للحقيقة، ألا وهو «وسائل الإعلام الرئيسية». فالشبكات الرئيسية تزعم أنها «تسعى إلى الدقة والنزاهة الصحفية»، وكان عامة الناس في الماضي يأخذون كلامها دائمًا على أنه المعيار الذهبي. ولكن هناك أمثلة كثيرة تعرّضت فيها هذه الوسائل لانتقادات شديدة، بل وللإدانة، بسبب ترويجها معلومات مغلوطة أو أخبارًا كاذبة. وسواء كان ذلك خطأً بشريًا، أو كذبًا متعمدًا، أو تزويرًا للمعلومات، أو سوء تفسير، أو تهويلًا، فإن العواقب واحدة بالنسبة إلى الأطراف التي تقع عليها.

كل شبكة تبحث عن الخبر العاجل الكبير التالي، وعن المادة التالية التي تحقق أكبر عدد من المشاهدات، أو تجذب أكبر عدد من الأنظار وتمنحها تفوقًا على منافسيها. وقد تعرّضت شبكات مثل CNN وفوكس نيوز وMSNBC ونيويورك تايمز والغارديان، من بين كثير غيرها في حلبة المصارعين الجديدة هذه، جميعها للمساءلة العلنية بسبب عدد من الأمثلة المذكورة أعلاه، وواجهت موجة كبيرة من الاستياء من الجمهور.
ومن الأمثلة البارزة والمدمّرة تغطية صحيفة نيويورك تايمز في الفترة التي سبقت حرب العراق، إذ نشرت سلسلة من القصص التي اشتهرت الآن بسوء سمعتها، تزعم أن صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل. وقد ساعدت هذه التقارير، التي اعتمدت اعتمادًا كبيرًا على معلومات استخباراتية مشكوك فيها ومصادر غير موثوقة، في بناء الحجة العامة لحرب سيُحكم عليها لاحقًا بأنها غير مبرَّرة. وبعد سنوات، اعترفت الصحيفة علنًا بإخفاقات تحريرية كبرى وبغياب التدقيق اللازم، ولكن الضرر كان قد وقع آنذاك: مئات الآلاف من الأرواح أُزهقت ومنطقة بأكملها زُعزع استقرارها. ولا يزال ذلك أحد أخطر الإخفاقات الإعلامية عواقبَ في القرن الـ21.
«دون التفلون» والعصر الجديد للأخبار الكاذبة
ليس السياسيون والقادة الدينيون غرباء عن «الأخبار الكاذبة». فشخصيات بارزة في العالم، مثل (رئيس الولايات المتحدة) دونالد ترامب، شقّت طريقها بحذر عبر وابل الرصاص المطلق عليها، إلى حدّ أن قاعدة مؤيديه لقّبته «دون التفلون»، بمعنى أنه «مضادّ للرصاص» حين تُطلَق عليه الأخبار الكاذبة.
مستغلًّا الإحباط وخيبة الأمل المتزايدين اللذين يشعر بهما كثير من الأمريكيين تجاه الأخبار الكاذبة على الإنترنت، ولا سيما في وسائل الإعلام الرئيسية، صار عامة الناس يعرفون الشبكات الإخبارية الرئيسية بأنها منحازة وغير جديرة بالثقة. ولم يرفض أحد في زمننا القريب الاتهامات علنًا بوصفها «أخبارًا كاذبة» أكثر من دونالد ترامب. وقد لقي ذلك صدى لدى مؤيدي ترامب، وكان رأس الحربة في صعوده إلى السلطة.
في حملة ترامب الأولى خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2016، كان كثيرًا ما يصف وسائل الإعلام الرئيسية بأنها «أخبار كاذبة»، وهي عبارة لقيت صدى لا لدى أتباعه فحسب، بل لدى كثيرين حول العالم. ويمكن أن يُعزى صعود ترامب إلى الصدارة، جزئيًا، إلى قدرته على تسخير منصات التواصل الاجتماعي لتجاوز وسائل الإعلام التقليدية والرد على أي معارضة، واصفًا كثيرًا من المزاعم والاتهامات بأنها «أخبار كاذبة».
وقد لاحظ الخبراء السياسيون كيف تعامل دونالد ترامب مع سيل الهجمات، فخاض قدرًا كبيرًا من حملته في الأيام الأخيرة من الانتخابات الأخيرة على برامج بودكاست معروفة على الإنترنت، بدلًا من وسائل الإعلام الرئيسية، وهو ما حقق مئات الملايين من المشاهدين الإضافيين مقارنة بما كانت تحققه القنوات الرئيسية التقليدية من قبل. وقد دفع هذا ترامب إلى ولاية ثانية بدت مستحيلة، بعد أن أُدين بعدد مذهل من التهم الجنائية بلغ 34 تهمة.
لم تعد قاعدة مؤيدي ترامب تكترث لما تقوله وسائل الإعلام، وكثيرًا ما تلتفّ حول فكرة أن «الدون» «ضحية للأخبار الكاذبة»، وهي رواية لم تزد إلا في تعزيز شعبيته بين من يشعرون بأن «المؤسسة الحاكمة» تهمّشهم. والآن، حتى حين تُقدَّم شهادة صادقة، تُرفَض بوصفها «أخبارًا كاذبة».
في عصر الخداع هذا، لا يهم إن كنت مهتمًا بالسياسة أو بالدين أو تحاول فقط أن تبقى مطّلعًا على ما يجري في العالم، فمن المهم تسليط الضوء على أي نفاق يصدر عن جميع الأطراف التي كانت ضحية «للأخبار الكاذبة». فكلما صدر خبر ضدهم، فهو خبر كاذب، ولكن حين يروّجون هم خبرًا ضد خصومهم، يُنتظر أن يُصدَّق على أنه حق. إن الأكاذيب تُرمى من كل الجهات، وكثير من القادة السياسيين والدينيين ضحايا لها، ولا أحد ينجو منها، وعلينا أن نكون يقظين وأن نبذل مزيدًا من التحري الواجب قبل الحديث عن أمور لم يُتحقَّق منها أو تأتي من مصادر مشبوهة.
قوة الأخبار الكاذبة: منظور تاريخي
مع أن دونالد ترامب هو من شاع على يديه مصطلح «الأخبار الكاذبة» اليوم، فإن المفهوم استُخدم منذ زمن طويل سلاحًا جيوسياسيًا. وعلى مرّ التاريخ، أدّت الأخبار الكاذبة دورًا مهمًا في تشكيل الروايات خلال قضايا عالمية حاسمة؛ مثل الحرب الباردة، وألمانيا النازية، وفي أثناء الفصل العنصري في الولايات المتحدة.
خلال الحرب الباردة، التي امتدت من عقد 1940 إلى أوائل عقد 1990، انخرطت كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في حملات دعائية واسعة. ففي أمريكا، أجّج «الذعر الأحمر» المخاوف من التغلغل الشيوعي، في حين تبيّن لاحقًا أن حوادث مثل حادثة خليج تونكين كانت مضخَّمة، مما أدى إلى زيادة التدخل العسكري في فيتنام. وشهدت أزمة الصواريخ الكوبية قيام الحكومة الأمريكية بالإفراج الانتقائي عن المعلومات لحشد الدعم الشعبي ضد السوفييت. وفي الوقت نفسه، نشر السوفييت التضليل لتقويض دوافع الغرب، فموّلوا «حركات السلام» ليقدّموا أنفسهم على أنهم «أبطال السلام».

في ألمانيا النازية، كانت الدعاية أداة رئيسية للتلاعب بالرأي العام. فقد استغل النازيون أحداثًا مثل «حريق الرايخستاغ»، الذي نسبوه زورًا إلى الشيوعيين، لتبرير تعليق الحريات المدنية. وروّجوا لأسطورة «الطعنة في الظهر»، متهمين اليهود زورًا بخيانة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وقدّموا «برنامج القتل الرحيم» الذي وضعوه على أنه «قتل رحمةً بالمعاقين». وكانت «حادثة غلايفيتس» المدبَّرة تكتيكًا آخر استُخدم لتبرير غزو بولندا.
والأخبار الكاذبة أيضًا أداة مفضّلة لدى الأصوليين وأصحاب الأيديولوجيات، أي أولئك الذين يحملون نظرة جامدة وضيقة إلى العالم ويشعرون بالتهديد مما هو مختلف. وكثيرًا ما يعمل هؤلاء وفق أجندة محددة، دينية كانت أو سياسية أو أيديولوجية، وهم ينشرون روايات كاذبة لا لمجرد التضليل، بل لتحصين قاعدتهم بزرع الخوف والانقسام وانعدام الثقة في «الآخر».

وفي زمن أقرب، خلال الفصل العنصري في الولايات المتحدة، استُخدمت المعلومات المغلوطة لتبرير الفصل العرقي والتمييز ضد الأمريكيين السود. وشمل ذلك المبالغة في معدلات الجريمة بين السود وإدامة أسطورة «المغتصب الأسود» لإثارة الخوف. وصُوِّر ناشطو الحقوق المدنية على أنهم متطرفون، ونُشرت ادعاءات كاذبة عن فوضى ناجمة عن دمج المدارس للحفاظ على التراتبيات العرقية. وقد عزّزت هذه الروايات العنصرية الممنهجة وعرقلت التقدم نحو المساواة.

وقد شنّت الحكومة الأمريكية، عبر أجهزة مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، حملات تضليل ضخمة وأخبارًا كاذبة ضد الدكتور مارتن لوثر كينغ الابن، في محاولة لتقويض مصداقيته وحركة الحقوق المدنية. ومن بين الاتهامات الباطلة التي لا أساس لها أن الدكتور مارتن لوثر كينغ الابن كانت له صلات شيوعية، وكانت هناك عمليات مراقبة وتنصّت واسعة ترصد اتصالاته. ومن يتذكر، فقد كانت هناك «رسالة الانتحار» سيئة السمعة التي أُرسلت لترهيبه بشأن حياته الشخصية. وبالغ مكتب التحقيقات الفيدرالي في تصوير نوايا كينغ، وزعم أن حركته متورطة في العنف، ووصف أفرادها بأنهم «متطرفون» بدلًا من أنها حركة سلمية. واختلقوا شائعات عن ميوله الجنسية، إلى جانب كثير غيرها من الأخبار الكاذبة القائمة على القذف والتشهير.
وهذا تذكير قوي بأن الشائعات الكاذبة والأخبار الكاذبة استُخدمت منذ زمن طويل أدواتٍ متعمَّدة لإسكات الحركات التي تتحدى الوضع القائم أو لتشويه سمعتها. فحين يبدأ أفراد أو جماعات في تغيير الوعي العام أو في تهديد هياكل السلطة الراسخة، تصبح المعلومات المغلوطة سلاحًا، سلاحًا لا يُقصد به التشويش فحسب، بل تدمير السمعة، وعزل القادة، وتفتيت الزخم الجماعي.
وتكشف هذه الأفعال من الحكومة الأمريكية المدى البعيد الذي كان مكتب التحقيقات الفيدرالي ووسائل الإعلام الرئيسية مستعدّين لبلوغه، من أجل تشويه سمعة رجل صالح في زمن سيئ من التاريخ، وتفكيك حركة الحقوق المدنية في أمريكا.
الخطر المتزايد للذكاء الاصطناعي و«التزييف العميق»
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي أيضًا المشهد الإعلامي إلى الأبد. فما صار يُعرف بـ«التزييف العميق» سيجعل قريبًا أي صورة أو فيديو أو تسجيل صوتي تصادفه على الإنترنت موضع شك، وسيؤثر في عالم السياسة والدين والأخبار العامة بطريقة لم يتخيلها أحد من قبل. فمن الصور المُتلاعَب بها إلى التسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو الملفّقة؛ يستخدم أدوات الخداع هذه الهواة والمحترفون على حد سواء، الصغار والكبار، اليهودي والمسيحي والمسلم والبوذي والهندوسي والملحد، الجميع. وبصراحة تامة، لم يعد الناس يستطيعون الوثوق بأعينهم أو آذانهم، ولا يستطيعون الوثوق بالمعلومات المنشورة على الإنترنت. بل إن المسيحيين أنفسهم بدأوا يدركون أن بصيرتهم لا تكفي لعبور محيط الأكاذيب المظلم الهائج، للعثور على لآلئ الحقيقة في القاع.
يُعدّ «التزييف العميق» من أكثر التطورات إثارة للقلق في عالم الأخبار الكاذبة. فقد انفجر «التزييف العميق»، أي مقاطع الفيديو والصور والتسجيلات الصوتية فائقة الواقعية المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، على الساحة، وهو قادر على التلاعب بالواقع بطرق غير مسبوقة. وللتزييف العميق القدرة على اختلاق مشاهد يظهر فيها قادة العالم في مواقف مُحرجة أو يقولون أشياء مثيرة للجدل، حتى وإن لم يكونوا حاضرين في المكان قط أو لم ينطقوا بتلك الكلمات أبدًا.
وتشكّل هذه التقنية تهديدًا كبيرًا للأمن القومي وللعلاقات الدبلوماسية، إذ يمكن استخدامها لتلفيق الواقع، مما قد يحرّض على العنف والانقسام ويدمّر العلاقات الدبلوماسية.
إليكم مثالًا حديثًا على ما يُعرف بـ«التزييف العميق»، حيث يضع برنامج للذكاء الاصطناعي حرفيًا في فم دونالد ترامب كلمات لم يقلها قط، ويبدو المقطع ويُسمع حقيقيًا جدًا. وأنا نفسي، القادم من خلفية إعلامية تمتد لأكثر من عقد، تحدثت مع أحد أصدقائي وزملائي، تيمور الألفي (Taymour El-Alfy)، الذي يعمل هو أيضًا في الإعلام منذ ما يقارب عقدين. وقد وافقني على أن الفيديو الذي أنت على وشك مشاهدته يمكن أن يمرّ بسهولة على أغلب الناس دون أن يدركوا أنه «تزييف عميق».
تخيّل الآن لو أن هذا الفيديو لم تكن في نهايته عبارة «تزييف عميق»، فماذا سيفعل الآن ملايين ممن يُسمَّون «الصحفيين الاستقصائيين أو صانعي الأفلام الوثائقية» حين يصادفون فيديو كهذا؟ في غضون ساعات، ستكون هناك آلاف المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي غضون أيام قليلة فقط، ستُنشر على الإنترنت حلقات بودكاست وأفلام وثائقية تتحدث عن أحدث كلمات دونالد ترامب. ولكنه في الحقيقة خبر كاذب... أكاذيب، إنه ببساطة غير صحيح.
يبيّن هذا المثال مدى سهولة التلاعب بصورة شخصية عامة وبصوتها. وكان هناك أيضًا «تزييف عميق» للرئيس السابق أوباما، عُرف إلى الأبد باسم «النظام العالمي الجديد»، أفلت من رقابة كثيرين وانتشر في جميع أنحاء العالم. إن تبعات مثل هذه التقنية عميقة. فكلما صارت تقنية التزييف العميق في متناول عدد أكبر من الناس، ازدادت احتمالات إساءة استخدامها؛ مما يطرح أسئلة ملحّة حول التنظيم والمساءلة.
حول العالم، تحمّل كثير من القادة السياسيين والدينيين وطأة هجمات التزييف العميق. فقد كانت ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وغيرها من السياسيات أهدافًا لـ«هجمات الإباحية بالتزييف العميق». وقالت ألكساندريا لمجلة رولينغ ستون: «إن رقمنة الإذلال العنيف تشبه الاغتصاب الجسدي»، وحذّرت من أن «الناس سيقتلون أنفسهم بسبب هذا». وكانت واحدة من مئات الآلاف من النساء اللواتي عانين من ذلك.
هناك حركة متنامية على الإنترنت، يقوم فيها المستخدمون بتحريف مقاطع فيديو وصور وتسجيلات صوتية لسياسيين معروفين، وهو ما يُعرف أيضًا بـ«التزييف العميق»، وينشرون هذا المحتوى على الإنترنت ليراه العالم. ويسارع أصحاب نظريات المؤامرة، المتلهفون للقفز على «أحدث القصص وأكبرها»، إلى التقاط هذا المحتوى وإعادة توظيفه، وقبل أن يُكتشَف أمره ويُدحَض، يكون الضرر قد وقع.
وقد طوّرت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية بالفعل تقنيات لكشف هذا التزييف العميق، وقالت: «لقد دخلنا عالمًا جديدًا سيكون من الصعب فيه أن نعرف كيف نصدّق ما نراه.» ولكن كما ترى من هذا الاعتراف من الحكومة الأمريكية ومن خبراء هذه التقنية، فأيًّا كانت الاستجابة، فإن «التزييف العميق» و«الأخبار الكاذبة» عمومًا يكاد يستحيل إيقافهما. إن شهادات الزور في هذا الزمن، سواء كانت عبر النص أو الصورة أو الفيديو أو الصوت، هي الواقع الجديد الذي علينا جميعًا أن نعيش معه اليوم.
عصر الخداع: الأخبار الكاذبة في زمن المهدي
لقد أصبحت الأخبار الكاذبة حرفيًا وباءً رقميًا في عصر التكنولوجيا هذا. وقد تنبّأ محمد وآل محمد بأن المهدي سيظهر في عصر الخداع هذا؛ حيث يتفشى الظلم والأكاذيب وشهادات الزور. ودور المهدي أن يهدينا جميعًا إلى الحق، وأن يقيم القسط والعدل في الأرض. سيفضح الطغيان والباطل ويقيم دولة العدل الإلهي. وذلك هو الدور الذي اضطلع به حتى الآن المهدي أبا الصادق عبد الله هاشم. ومعنى «أبا الصادق» حرفيًا «أبو الحق».
إنه يفضح باطل الطغاة والعلماء غير العاملين منذ أكثر من عقد، ومع ذلك لا يزال مليارات الناس واقعين تحت خداع عظيم من المخادع الأكبر، ذلك النظام الدجالي الذي يروّج أكاذيبه لبقية العالم.
نحن في ساعة المهدي. قال الإمام جعفر الصادق:
«إن المؤمن في زمان القائم (المهدي) وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق.»بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 52، ص 391، الحديث 213
لم يكن العالم يومًا مترابطًا كما هو اليوم. فالمعلومات حرفيًا في متناول أطراف أصابعنا، والتواصل العالمي بين الناس من جميع الأديان والخلفيات يجري في طرفة عين.
وهناك أيضًا روايات عن أهل البيت تذكر أن المهدي «يتكلم من مكانه، فيراه العالم كله». وفي رواية ونبوءة أخرى، تتحدث عن أن المهدي «يدخل البيوت كما يدخلها الحر والبرد». ومع أن ذلك لم يكن مفهومًا في حينه، فإن تطبيقات المراسلة الاجتماعية ومنصات الإعلام مثل يوتيوب وفيسبوك وتيك توك وإنستغرام وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي والتلفزيون الفضائي، جعلت من الممكن أن يتكلم المهدي أبا الصادق عبد الله هاشم من مكانه، فيشاهده العالم كله، وهو بلا شك يدخل مئات الملايين من البيوت حول العالم كما يدخلها «الحر والبرد».
وقد أعطانا الإمام جعفر الصادق رواية قوية عن زمن المهدي. فقد حذّرنا من أن الملوك والوزراء وعامة الناس وقرّاء القرآن وشهود الزور سيكذبون ويعتدون على الحق. قال:
«سيُنظر إلى الحِلم على أنه ضعف، ويُعدّ الظلم مدعاة للفخر. ويكون الملوك والحكام فجّارًا ومعتدين. ويكون الوزراء كذّابين. وتكون العامة خائنة. ويكون قرّاء القرآن فسقة. وتُقبل شهادة الزور. وتُرتكب الذنوب جهرًا. ويصير إلقاء التهم الباطلة أمرًا شائعًا. ويتفشى الفسق والعصيان. ويُكرَم الأشرار. ويشهد الشهود من غير أن يُستشهدوا، ويتفكر آخرون ويشهدون من غير أن يعرفوا الحق وفي غير الدين. وتُقدَّم الدنيا على الآخرة.»بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 52، الباب 30، الحديث 26
نرى بوضوح من كلام جعفر الصادق أنه في زمن المهدي سيكون الملوك والطغاة الحاكمون كذّابين ومعتدين. وسيروّج وزراؤهم لممالكهم الزائفة، وسيكذبون ويفعلون أي شيء للحفاظ على سلطتهم. أما عامة الناس الذين يعيشون في ظل هذه الأنظمة الطاغية، فلن يكونوا مخدوعين فحسب، بل سيكونون خائنين، ويساعدون الطغاة على خداع الجماهير وإحكام قيودهم عليها، فيمنعون الناس من التحرر من سلاسل الأكاذيب والخداع، ويصدّونهم عن الحق، ويستعبدونهم بخوفهم من الاغتيال المعنوي ومن الموت.
وحذّر جعفر الصادق أيضًا من أن «شهادة الزور» ستكون مقبولة لدى الجميع وستُنشر على أنها حق. فكم مرة نرى هذا اليوم؟ صانعو محتوى أو من يُسمَّون صحفيين ينشرون خبرًا كاذبًا على الإنترنت، ودون أي تحرٍّ واجب، يأخذ المؤثرون تلك المعلومات ويعيدون توظيف محتواها لإثارة جمهور منصاتهم وتحقيق مزيد من المشاهدات، تعزيزًا لكبريائهم، وطلبًا لجرعة الدوبامين، ودعوةً لمزيد من المتابعين إلى أنفسهم، وذلك لأنهم يعيشون لهذه الدنيا لا للآخرة.
وفي الرواية ورد أن «الشهود يشهدون من غير أن يُستشهدوا...»، وهذا يحدث بوضوح بأعداد لا يمكن تتبّعها حقًا على الإنترنت وفي وسائل الإعلام الرئيسية. ففي كل أرجاء الإنترنت والشبكات الإخبارية، يظهر أناس يدلون بشهادات زور طلبًا للاهتمام، أو لبلوغ مكانة، أو لاغتيال شخص ما أو منظمة ما معنويًا، بل حتى للحصول على تعويض مالي. والأسوأ من ذلك أن كلمات جعفر الصادق تحذّرنا من أن الناس «سيتفكرون» في ذلك ويعدّونه حقًا، دون التحقق من المعلومات، ثم يخرجون هم أيضًا و«يشهدون» نقلًا عن شاهد الزور بوصفه «مصدرًا موثوقًا».
قال النبي محمد: «قبل خروج المهدي ستكون سنوات خدّاعات يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين. وينطق فيها الرويبضة.» قيل: «ومن الرويبضة؟» قال: «السفهاء الذين يتكلمون في أمر العامة.»سنن ابن ماجه
فكيف نلخّص هذه السنوات الخدّاعات وهؤلاء السفهاء في زمن المهدي، حيث «يُصدَّق الكاذب» و«يُؤتمن الخائن»؟ في كلمتين قصيرتين: «الأخبار الكاذبة». فكم من السفهاء نرى يعتلون منابر العصر الحديث في المؤسسات الدينية، وفي المنتديات السياسية أو المنتديات الإلكترونية، فينفثون الكراهية والجهل والأكاذيب والأخبار الكاذبة؟
قال أمير الصادقين وأمير المؤمنين، الإمام علي بن أبي طالب، إن الاغتيال المعنوي أسوأ من الموت الجسدي، وأي ضحية لأكاذيب الإنترنت أو الإعلام يمكنه أن يشهد بذلك. وبينما يتمنى بعضهم لو أنهم ماتوا، ينتهي الأمر بآخرين فعلًا إلى إزهاق أرواحهم بسبب «الصحافة» غير المسؤولة وغير الأخلاقية من الذين يُسمَّون صحفيين ومؤثرين. ومع ذلك، هناك أولئك المؤمنون الصالحون الثابتون الذين يقفون مع الحق، مهما كثر معارضوه، ومهما عظمت العاصفة، فيطلبون الحق ويستعينون به كمنارة في وسط ليل مظلم، على محيط هائج من الأكاذيب والدعاية. لأنهم يعلمون أنه مهما كذب الأعداء، «فمهما فعلوا، فإنهم إنما يمهّدون الطريق للوارث».